|
من الأمـور المسلم بها أن التراث
الشعبي في دولة الإمارات العربية المتحدة ينقسم إلى قسمين
، قسم يضم الجوانب الفكرية للتراث والتي من أهمها فنون
القول من أمثال وحكايات وشعر نبطي والفنون الإيقاعية مثل
العيالة والحربية والألعاب الشعبية .
أما القسم الثاني من التراث
الشعبي فيضم الجوانب المادية للتراث ، التي تنحصر في
مجموعة من الصناعات والحرف مثل زراعة النخيل ، والغوص
للحصول على اللؤلؤ ، والصيد بالصقور ، وصياغة الفضة والذهب
، حياكة النسيج صيد السمك ، زخرفة المباني ، إعداد وشرب
القهـوة .
وفي نطاق تقديمنا لنماذج من
التراث الفكري ، والتراث المادي وجدنا أن صناعة القهوة
وإعدادها وشربها من أهم أنواع التراث المادي ، والتي لا
يجوز بحال إغفالها أو تجاهلها ، لسعة انتشارها ودخولها كل
بيت تقريباً وامتدادها أفقياً على طول الشرائح المختلفة من
الطبقات في المجتمع الواحد ، حيث يعدها ويشربها كل من
الغني والفقير على حد سواء إذ لا يكاد بين عربي يخلو من
فنجان القهـوة " الشهير " ، فقد ارتبط الإنسان العربي
بالقهوة وارتبطت به لتلازمه في صفات الكرم وحسن الضيافة .
وقد دخلت القهوة إلى عالمنا
العربي منذ بداية القرن الخامس عشر الميلادي ومن يومها
أصبح لفنجان القهوة عادات وتقاليد بل سلوك ولغة يعرفها
الجميع ويتوارثها جيل بعد جيل .
وفي الكتاب القين الذي أصدرته
لجنة التراث في مدرسة " زايد الثانوية بالعين " جاء أن "
القهوة منقوع بـذور البن بعـد غليها ،وهي مشروب عالمي ليس
لـه منازع ويتناولها المتقدمون في مدنيتهم والمغرقون في
تأخرهم ، كما يتناولها الأغنياء والفقراء في آن واحد رغم
أن عهد البشر بها لا يزيد على أربعمائة سـنة .
والبن عرف عن طريق المصادفة
،ويقول الدكتور على محمود عويضة في موسوعته عن الغذاء : أن
راعياً كان يرعى غنمه في ناحية اليمن فوجدها نشيطة وتمرح
كثيراً وتسعى وراء رزقها دون كلل أو ملل ، إذا ما أكلت من
بذور وأوراق الشجيرات الموجودة في هذا المكان، فأراد أن
يطبق عل نفسه تأثير هذه البذور ، فجرت أكلها فلم يستسغها،
ثم جرب غليها فدب النشاط في جسده وكان هذا أول اكتشاف
للقهوة ومن ثم بدأ انتشارها . أما في اليمن فالقصة
المتداولة لظهور واكتشاف ابن لا تختلف عن القصة المشار
إليها باستثناء أن المكتشف لم يكن راعياً وإنما ولياً من
أولياء الله الصالحين .
وثمرة البن عبارة عن " عنبـه "
بداخلها بذرة أو بذرتان على شكل كروي وتحاط كل بذرة بمادة
لحمية وعند نزع قشرة العنبة تلك تخرج منها حبتان نصفيتان
هو حب البن المعروف ويوجد حول كل بذرة غشاء رقيق شفاف
وتحته البذرة ، وهي ذات لون أخضر ، والشجرة تنتج ثلاث مرات
في السنة ، تنزع بذرة اللبن من عنبتها ، أما بآلة خاصة
وأما أن تترك لتجف وحدها فتفصل البذرة عنها ، وعند تصدير
البن يتم تبخيره لقتل الجنين حتى لا تستنبت البذور في
الخارج .
والقهوة لم يرد ذكرها على ما
نعلم في الشعر الجاهلي ، غير أن قواميس اللغة العربية
الحديثة تشير إلى أنها شراب البن المغلي ، ويمكن أن تطلق
لفظة "قهـوة" على الموضع الذي نشرب فيـه .
وفي البن مادة منشطة إسمها
"الكافيين " مقوية للقلب ومنشطة للأعصاب والعضلات وقد
اكتشف هذه الخواص العرب القدماء ، ونقول كتب التاريخ أنه
كانت لهم محطات خاصة أشبه بالحانات تقف فيها ركبانهم
لتستريح من عناء السفر وتنشط قواها بارتشاف بعض فناجين
القهوة .
وقد لوحظ أن العرب يحرصون على
تحميص البن قليلاً لأن هذا يعطيه جودة ولهذه النظرة أساسها
العلمي فالتحميص ينتج مركباً يعرف بـ"الكافيول" وهو مصدر
تلك النكهة العطرية للقهوة غير أن غلي القهوة لمدة طويلة
يفقدها الزيوت والنهكة العطرية الطيارة التي تمتاز بهـا.
وعن كتاب التراث لمدرسة زايد
الثانوية بالعين : أنه نظراً لقرب دولة الإمارات من اليمن
، فإن البن المحبب أغلبه يأتي من هناك ، وأغلى وأندر وأحسن
أنواع البن هو "اليافعي " نسبة إلى منطقة يافع في اليمن
وتستأثر به بيوت تجارية وتبيعه للخاصة . والبن اليمني على
أي حال من أغلى وأحسن أنواع البن على الإطلاق والبيوتات
الأوربية المتخصصة في تجارة البن لا تشتريه إلا من اليمن .
وتحتاج صناعة القهوة وإعدادها
للشرب إلى مهارة فائقة من الصانع ، كما تتطلب أدوات خاصة
تساعد على إنضاج حب البن بالدرجة المناسبة لإعداد قهوة
لذيذة ينتشى شاربها ويستزيد .
فمن الأدوات المستخدمة ط الدلة
" وهي الوعاء النحاسي أو المعدني الذي يستخدم لصب القهوة
في " الفناجين " وهي شكل مميز للإبريق العادي المعروف ،
وكان يصنع قديماً من الفخار ومن الأدوات أيضاً "المنحاز"
ويسمى أيضاً بالهاون ،وهو الوعاء المعدني أو النحاسي الذي
يستخدم لدق البن بداخله بقطعة من الخشب أو المعدن مخروطية
الشكل تسمى "المدق" ومن الأدوات أيضاً "التاوة" وهو الإناء
النحاسي أو المعدني الذي يستخدم لتحميص البن أو قليه " أي
المقلاة " أما "المحماس" فقطعة حديدية تستخدم لتحريك البن
في "التاوة" أو المقلاة أما الوعاء الذي توضع الفناجين
بداخله لغسلها قبل الشرب فيعرف باسم "المغسل" .
وتبدأ عملية إعداد القهوة
بشراء البن أولاً ، والبن المحبب للناس هنا هو البن اليمني
الذي تعودوا على تناوله لقرب اليمن وسهولة الحصول عليه إلى
جانب تميزه برائحة نفاذه وطعم لذيذ ، والبن المعروف هنا
على أنواع فمنه "السيلان" و"الحمراء" و"الخضراء" و"الصفراء
"وعملية الإعداد تتلخص في وضع البن في التاوة أو المقلاة
ثم وضعها على النار وتحريكها بالمحماس حتى يميل لون الحب
إلى الاحمرار إشارة إلى نضجه ، ثم توضع حبوب البن في
المنحاز أو الهاون وتدق حتى تنعم وتغدو كالطحين ، وتوضع
بعد ذلك دلة كبيرة على النار في موقد يعد خصيصاً لهذه
العملية ، وعندما يغلي الماء الذي بداخلها يتم وضع
"اللقمة" أي الكمية المناسبة من البن بداخلها ، وتعاد
الدلة إلى النار مرة ثانية وثالثة وهي تغلي حتى تنضج ثم
ننزلها من على النار ونتركها فترة على الأرض حتى ترسب
اللقمة إلى أسفل وبعد ذلك تصب القهوة الموجودة في الدلة
الكبيرة في دلال أصغر. ولا ينبغي أن تنسكب القهوة من الدلة
عندما تفور فوق النار حيث يعتبر ذلك شيئاً مكروهاً ، مع
الأخذ بعين الاعتبار اختلاف الأمزجة من ناحية كمية الهال ،
وبذلك تصبح القهوة جاهزة للشرب .
تقـديم القهـوة :
يجلس الضيوف في الغالب بشكل
دائري ، أو ربما يشكلون نصف دائرة فيقوم أصغر القوم بمهمة
تقديم القهوة إلى الضيوف ويسمى هذا "المقهوي" حيث يطوف على
الضيوف وبجانبه "المغسل" مبتدئاً باليمن ، أما إذا كـان في
الموجودين رجل كبير السن أو كـان زعيم قبيلة أو رئيس أو
رجل ذو مقام كبير فالسقاية تبدأ به ، وتمسك الدلة باليد
اليسرى أما اليد اليمنى فتحتضن الفناجين وتقدمها مملوءة
بالقدر المعتاد من القهوة إلى الضيوف ، فإذا أعاد الضيف
الفنجان بعد شربه دون أن يهزه أو يتفوه بكلمة شكر تدل على
الكفاية ، عاد"المقهوي" مرة أخرى لصب القهوة فيه، وإذا
اكتفى الضيف هز الفنجان ،أو تلفظ بكلمة "غنمت" التي تعني
الشكر والاكتفاء ، ومن آداب الشرب أن يتناول الضيف فنجانه
باليمن ويجب ألا تزيد الكمية التي تصب في الفنجان عن الثلث
.
وقد تحدث شعراء الجزيرة
العربية ومنطقة الخليج عن القهوة ، فوصفوها، وبينوا طرق
صناعتها وإعدادها ، وأثرها على الشاربين ، وأطالوا في
مدحها ووصف مجالسها وآدابها .
قهـوة سـادة:
كثيراً ما يطلب المرء فنجان
قهوة ساده.. وكلمة ساده مشتقة من ساد يسود فهو سائد وبما
أنها مؤنثة فهي سائدة ،أي أنها المشروب الذي يمثل الصدارة
في المنطقة وهو السائد فيها وهذا رأي فيه شيء من الصحة .
والتفسير الثاني يرجعها إلى أنها مشروب السادة ، والسيد
يأبى إلا أن يشرب الشراب الذي يتناسب ورجولته وشجاعته ،
والقهوة السادة وهي مرة المذاق فإنها تكون بغية السيد
وهدفه وبما أن العرب من كرام الناس وسادتهم فلا مندوحة من
أن يأخذ هذا المشروب اسمه من اسمهم فيسمى مشروب السادة
وحينئذ سميت القهوة ساده أو مرة
|