" أن السكان قد عمروا أرض الإمـارات خلال فترة مناخيـة رطبـة والتي استمرت
ما بين 9000-6000 سنة سـبقت ، ويدل على ذلك العـديد من الآثـار التي وُجدت
عند حضيض المناطق الجبلية . وهناك دلائل على بداية ارتباط العمـران القديم
بالسواحل في العصور الحجرية والمعدنية ، على الرغم من تذبذب خط الساحل الذي
قضى على كثير من الآثـار الدالة على ذلك ، ومعظم المحال كانت محال صيد ترجع
لحوالي 6000-7000 سـنة مضت ، وبعد هذا التاريخ وحوالي 2000-3000 سنة مضت
كان سطح البحر أكثر ارتفاعاً عنه الآن بحوالي متر واحـد ، وامتدت الكثبان
الرملية على طول خط الساحل ، وبين الكثبان والبحر انتشرت اللاجونات
والخلجان ، التي ملأتهـا الرواسب وتمثلها السبخات الحالية . وقد وفرت هذه
اللاجونات موانئ ومرافئ لقوارب الصيد ، وزودت السكان بالغذاء البحري ، كذلك
كانت غنية بأشجار المانجروف ، وهي مصدر مهم للوقود والخشب اللازم للبناء ،
كذلك زودّت الإنسان بأنواع الحياة البرية التي كانت غنية بها .
أمـا سكان المناطق الداخلية فقد أثر توافر الماء في اختيار مواضع العمران ،
وهكذا حظيت مواضع ، مثل الواحات ومقدمات جبـل حفيت ، بمراكـز عمرانية سكنت
منذ أكثر من 5000 سنة ، وفي هذه المواضع توجد أقدم المقابر الأثرية . وهنا
بالداخل اختلفت القاعـدة الاقتصادية للعمران عنها في المناطق الساحلة حيث
مجتمع الصيد ، وكان لسكان الداخل تركيبهم الاجتماعي لخاص بهـم ، وروابطهم
التجارية ، وعرفوا الزراعة ، ويؤكد ذلك آثار منطقة هيلي شمالي مدينة العين
التي ترجع للألف الثالثة ق.م. حيث عرفوا زراعـة الحبوب ، وهو ما يغير
الآراء السابقة عن معرفة الزراعة في شبه الجزيرة العربيـة التي اعتـاد
الأثريون استثناءها من هـذا النشاط .
وقـد كان العمران القديم معاصراً له في بعض مناطق الخليج العربي الأخرى ،
ولاسيما في البحرين ، حيث قامت مملكة بحـرية قديمة هي " ديلمون " منذ حوالي
5000 سنة مضت . وقد ارتبط العمران أساسـاً بالجزء الشمالي من البحرين
دائماً . ومراكز العمران مثل هيلي تثبت أنها بنيت من اللبن ، وكانت جودة في
التنظيم ، بل إن بعضها قد احتوى على " المجلس " الذي لا يزال ملمحاً
عمرانيـاً معاصراً حتى الآن في مباني الإمـارات ( أحد المنازل في محلة هيلي
القديمة وصلت مساحته إلى 250 متراً مربعـاً ، وتكون من 9 غرف – راجع دائرة
الآثار والسياحة – العين ص 8 ) ، كذلك بالمنازل شرفات ، ودرج يؤدي إلى
السطح . ومقابر جبل حفيت ترجع إلى 3000 سنة ق.م. وهي أدلة على عمران العصر
الحجري وكانت مقابرهم تلالية مما يدل على تأثرهم بالسومريين . وقد عملت
مراكز العمران في الإمارات كمراكز تجارية مهمة ربطت بين السند وفارس
وميزوبوتاميا ، وقد برع السكان في ركوب البحر كذلك ، ويرى بعضهم أن منطقة
أم النار (قرب أبوظبي الحالية ) ربما تكون إحدى المحطات التجارية القديمة ،
التي كان يحمل إليها النحاس قديماً من جبال عُمان على ظهور الجمال ، ويلاحظ
أن آثار الجمال في مستوطنة أم النار أقدم الآثار الدالـة على استئناس الجمل
في المعالم ، وكانت منازل أم النار من الحجارة وترجع إلى حوالي 4500 سـنة
مضت .
وتدل الدلائل الاركيولوجية على وجـود مواضع بالمنطقة الشرقية من الإمارات
عرفت استخدام المعدن منذ سنة 2000ق.م. إضافة إلى وجود دلائل على تحول
السكان للبداوة بسبب تدهور مستوى الماء في الآبـار ، وزحف الرمال ، وواكب
ذلك استئناس الجمل فعضد ذلك الحياة البدوية . ولذلك فالآثار المنتمية للألف
الثاني ق.م مثل التي وجدت في القطارة قرب مدينة العين ، والقصيص قرب دبـي ،
كانت أقل دقة من سـابقتها ، وتشمل البقايا الأثرية لهذه المدة صناعات
معدنية نحاسيـة ، وأدوات ، مثل فأس برونزية ، ترجع من حيث العمر إلى حوالي
الألف الثاني ق.م. في منطقة هيلي .وتشير الدلائل كذلك إلى وجود محلة
عمرانية مهمة في موضع " شمل " في إمـارة رأس الخيمة ، وهي دليل نادر من
أدلة العمران في الألف الثانية ق.م. والمحلـة مستطيلة الشكل ، وهناك دلائل
على شغل الموضع الاستراتيجي ، ويطل على واد خصب . وبالقرب من شمل كان يمتد
الطريق التجاري الذي يصل إلى ميناء مهم قريب هو جلفار (Julfar
) ( قرب رأس الخيمة الحالية ) . وقد اكتشف العلماء في الموضع أدلة على
ارتفاع معدل وفيات الأطفال من ناحية ، وعلى انخفاض أمد الحياة لدى الإناث
عنه لدى الذكور على عكس الحال في الوقت الحالي في العالم أجمع ، وقد دعم
العمران معرفة نظام الأفلاج في منطقة جبال الحجر ، ويعتقد أنه عرف عن إيران
خـلال الألف الثاني ق.م. حيث عـرفة سكان جبال البـرز في إيـران .
وكلمـة " فلج " مشتقة من اللغة السامية ومعناها التفرع والانقسـام . ومن
الآثار التي ترجع إلى العصر الحديد قرية قديمـة في منطقة الرملية قرب العين
، حيث وجد هناك مستويان للعمران يرجعان عموماً إلى ما بين 1695ق.م. –
600ق.م. كذلك وجدت في الهيلي آثارٌ ترجع إلى النصف الأول من الألف ق.م. ذات
منازل جيدة حتى إنهـا تبدو للناظر كما لو كانت قد شيدت من عقد أو عقدين من
الزمان فقط ، وقد وجدت بها بعض آثار العنف الذي قد يكون سبب هجرها حوالي
سنة 500 ق.م .
وفي العصر الإغريقي الروماني هناك عديدٌ من الأدلة العمرانية تتمثل في
القلاع والأبراج المستديرة ، ومثالها قلعة الدور في أم القيوين ، وقد ساعد
على العمران آنذاك في القرن الثالث ق.م. أهمية " جرهـا " واستخدم العرب ذلك
الموضع كمستودع غربي للتجارة مع الهند ، ولذلك ساعد ذلك النشاط التجاري على
نشأة عدة مدن في ساحل الخليج العربي للإمـارات في الشارقة وقرب رأس الخيمة
.
وتشير الفتـرة الهيلنستية إلى أحد المواضع المهمة عند ساحل أم القيوين حيث
موقع ميناء مهم يعرف اليوم باسم عربي هو "الدور" . وتدل الشواهد على أن
الموضع العمراني للمدينة كان يمتد إلى حوالي (كيلو مترين ) ، ووجدت بها
آثارٌ من فارس وروما والدولة النبطية في شمال الجزيرة العربية ، عملات
معدنية أيضاً ، ظهرت من محلات هذا العصر " جرها " التي يعتقد بأن موضعها في
مكان ما شرقي الجزيرة العربية و"الدور" أيضاً وما يعنينـا بشأن "الدور "
الواقعة في منطقة الدراسة أن التجارة الدولية المتنامية في زمنها أثرت في
نموها واتساعها ، وقد ارتبطت الدور بموضع داخلي مهم عند مليحة ، وذلك على
طريق القوافل المهم على طول الجانب الغربي لحضيض جبال الحجر ، وفي منطقة
ذات ماء جوفي قريب من سطح الأرض ، وكانت " مليحة " مدينة عامرة كبيرة منذ
أكثر من 2000 عام مضت ، وقد اكتشف موضعها سنة 1970 ، وفيها قصر كبير من
اللبن والعديد من الآثار الدالة على النشاط التجاري بينها وبين جزر أورس ،
كذلك دلائل على أن ملحة كانت بوابة إلى داخل عمان .
أمـا في العهد الإسلامي وما قبله ، فقد كان موضع "دبا " أهم المواضع
العمرانية ، وقامت بها سوق كبيرة للعرب قبل الإسلام على درجة كبيرة من
الأهمية ، وتنافست مع سوق "صحار" في عمان ، وكان يأتي للسوق تجار من
الجزيرة العربية والصين والهند . وعملت دبا منذ ما قبل الإسلام كمنفذ
لتجارة القبائل العربية التي سكنت المناطق الداخلية ، وقد اتخذت هذه
القبائل من " توام " (قرب العين ) عاصمة لها . وكانت السلع المتداولة في
دبا وغيرها متعددة ، بعضها يأتي من الخارج ن ومن أهمها اللبان و " الضجاح "
وهو ينتج صمغاً أبيض اللون يستخدم في تنظيف الملابس وشعر الرأس ، وكذلك سلع
" الطلوق " و " التامول" وله طعم وميزات القرنفل وأيضاً الزنجبيل والتمر
هندي ، وقد أشار الطبري في العهد الإسلامي أيضاً إلى " جلفار " قرب رأس
الخيمة ، ووردت في الكتابات الإسلامية منذ سنة 76هـ، وما بعدها وازدهرت زمن
سيطرة البرتغاليين على الخليج في القرن 16م . وجاءت شهرتها من التجارة
البحـرية وتجارة اللؤلؤ. وقد سجل "لوريمر" العديد من دلائل العمران ومراكزه
في الإمارات ، وذلك في دليله الشامل عن الخليج . وقد أصبحت الأخوار دائماً
طوال تـاريخ الإمارات من أهم مناطق الجذب العمراني حتى العصر الحديث .
والصورة توضح ارتباط العمران التقليدي بالأخوار المائيـة .
الفصــــل
الثـاني
العمـران التقليـدي والبيئـة الجغرافيـة
في معظم بلدان العالم توجد ثنائية عمرانية ، أحد طرفيها البناء
القديم الذي يُعد انعكاساً لمعطيات البيئة الطبيعية ، التي يعيش فيها
السكان في بلد معين أو جزء منها ، والطرف الثاني نمط البناء الحديث الذي
شاع في كل أرجاء العالم بعد اكتشاف العديد من مواد البناء الحديثة العملية
بالفعل ، ولكن قد لا تتمشى مع ظروف البيئة ، وعلى ذلك هددت الأخطار هذا
العمران التقليدي ، الذي يُعد بالفعل جزءاً من التراث الحضاري لشعب ما ،
وأبدى العديد من الكتّاب ومنهم الجغرافيون ، حرصهم على ضرورة الحفاظ على
هذا التراث ودراسته واستخلاص الدروس المستفاده منه ؛ لأنه يتمشى مع ظروف
البيئة الطبيعية والبشرية . وكما يذكر "ديكن، وبيتس" فإنّ المساكن بوجه
عام. على الرغم من أنها تمثل مظهراً متغيراً إلاّ أنها مرتبطة بطبيعة
الأقاليم ؛ إذ إن طابعها مرتبط بالبيئة وبالتراث الحضاري للسكان الذين
شيدوها . ولذلك لتعبير عمارة تقليدية أو عامة (Traditional
or Vernacular)
، فيها إشارة لنمط عمراني خاص بمنطقة معينة ، بدوره تطور من خلال استخدام
مواد بنـاء محلية وأساليب محلية أيضاً ، وهي بالقطع تعطي حلولاً لكثير من
مشكلات البيئة في المنطقة الموجودة بها . وأحياناً يطلق على ذلك النمط
العمراني التقليدي تعبيد العمارة المحلية (Domestic
Architecture
)، إشارة إلى ارتباط نمطها بمنطقة جغرافية دون غيرها . ومن أهم الأمور عند
معالجة العمران التقليدي معرفة ارتباط الطراز العمراني بفترة زمنية معينة ،
وتأثر الطراز ببعض التأثيرات الوافدة كما هي الحال في منطقة دراستنا ،
ويكون ذلك مهماً حيث تكون منطقة العمران التقليدي عرضة للتأثيرات الأجنبية
، وقد لاحظ ذلك "نوبل " في دراسته لتطور عمران القرن التاسع عشر وتصنيفه في
ولاية أوهايو الأمريكية .
وأشكال البناء المحلية هذه على مستوى العالم أجمع تؤثر فيها ظروف
البيئة الطبيعية والبشرية ، ومن هنا جاء الاختلاف بين نمط عمراني تقليدي من
منطقة لأخرى . ولعلّ عنصر المناخ أكبر العناصر المؤثرة طبيعياً في العمران
التقليدي ، في الماضي خاصة ، فمساكن قبائل الطوارق في الصحراء الأفريقية
ليست لها مواد بنـاء ثابتة نظراً لظروف المناخ وطبيعة حياتهم القبلية
المتنقلة ، لذلك كانت الخيمة المحمولة والحظائر الخفيفة التي تصنع من قوائم
من الأغصان وغطاء منسوخ من مواد محلية تؤمن الظل طابع عمرانهم غير الدائم ،
ومثل ذلك يصنعه بدو الصحراء كما سنرى عند حديثنا عن مساكن البدو في
الإمـارات ، وحيث يتوافر الطين كمادة بناء نجـد أنه يستغل بكفاءة وينتج
السكان أنماط بناء تقليدية منه ، ويعالجونها لتفي بالغرض ، ولتقلل من تأثير
نقص الأخشاب في البيئة أحياناً كما عند الهوسا في شمال نيجيريا ، فنجد
العديد من مساكن مدينة " كانو" معقودة (Vaulted
) لتقليل استخدام الأخشاب النادرة في البيئة المحلية في البناء ، ومثل ذلك
فعله سكان النوبة القديمـة في مصر وشمال السودان ، وهو ما وجد في بعض
المباني الدينية أيضاً في الإمارات ، مثل مسجد البديـة .
وفي بعض المناطق الجبلية طورت طرق بناء لها قابلية كبيرة في
مقاومة الزلازل ، وبالمقارنة مع دولة خليجية أخرى هي العراق نجد أنّ
البيئـة الجغرافية أنتجت هناك في الجنوب خاصة شكلاً عمرانياً محلياً خالصاً
، وهي المساكن المصنوعة من الغاب العملاق في المستنقعات (
giant March read
) ينمو بارتفاع 7 أمتار ، وكل ساق تعد وحدة بنائيـة تستطيع حمل وزنها
وتتمايل مع الريح دون أن تنكسر وتحزم معاً ، مكونة إطاراً بنائياً مهمـاً .
وبعض المنازل المصنوعة من هذه المادة المحلية التقليدية قد تكون
بطول 25 متراً . ومثل ذلك نجـده في المناطق الرطبة التي يسود فيها نبات
البامبو. وفي العالم الجديد وجدت أشكال عديدة من البناء التقليدي لدى
جماعات الانكاو الأزتك . وترى (
Denyer
) أن كل محلة عمرانية في أفريقيا هي حل دقيق متوازن لمشكلة سكنية ، وتستحق
أن تكون محل نظر لكونها انعكاسـاً مادياً لطريقـة حياة السكان ، وهناك بعض
التشابه في طابع العمارة التقليدية في الإمارات والخليج عامة وطابعها في
شرق أفريقيا ، حيث كان على المنازل والمباني أن تؤمن الحماية وتفي بحاجات
التجارة الناميـة أيضاً وفي الحالتين بنيت من الحجر المرجاني الفخم الموجود
في البيئة . ولعلّ طراز مساكن البحر المتوسط ذات الفنـاء من أوسع طرز
البناء التقليدي لما يؤمنه من ملاءمة مع المناخ وتقديم الخصوصية (
Privacy
) للسكان .
ولعلّ نمط العمران التقليدي في المناطق الجبلية في منطقة الدراسة وفي
أفريقيا وكثير من جهات العالم الجبلية نمط فريد لما يقدمه من حلول طبيعية
وبشرية ، فمن حيث مادة البناء يطغى عليه استخدام الحجر المتوافر محلياً ،
وبالنسبة للنواحي البشرية يؤمن الحماية والعزلة ، وهو ما يمكن أن نلحظه في
كثير من مناطق العالم حتى اليوم ، ولذلك بقيت أحياناً قبائل ضعيفـة في هذه
المساكن التقليدية في مواجهة قبائل أقـوى منها . وهناك أمثلة عديدة للبناء
التقليدي في الجبال ، لعلّ من أهمها مساكن النوباويين في تلال النوبا في
السودان . والعمران التقليدي يتميز بوحدة النسيج العمراني وتكيفه مع البيئة
إذا كان السكان من عنصر واحد متجانس ، كما هي الحال في الخليج . أما إذا
تعددت العناصر العرقية فإنّ ذلك قد ينتـج أشكالاً " من العمران التقليدي
المحلي ، وقد لوحظ مثل ذلك في جزر كارولين ، كذلك اختلاف الأعراق والثقافات
والمستويات الحضارية قد تهدد العمران التقليدي ، فقد لوحظ عند غزو اليابان
لجزر كارولين أنهم شجعوا إزالة المساكن التقليدية ؛ لاعتقادهم أنها غير
صحية وتحيط بها مخاطر المرض ، في حين كانت هذه المساكن تلبي حاجات السكان
المحليين كافة . ويلاحظ على العمران التقليدي في جزر كارولين استخدامها
بكثافة لمنتجات النخيل في البنـاء ، وهو ما يشابه الوضع في العمران
التقليدي في دولة الإمارات العربية المتحدة تماماً ، مع فارق هو أن النخيل
المستخدم في منطقة الخليج نخيل البلح ، وهذا المستخدم في جزر كارولين نخيل
جوز الهند ، كذلك الحال في المنطقتين ، فكان العمران التقليدي أكثر محلية
وأقل تأثراً بالمؤثرات الخارجية كلما ابتعد عن مصادر التأثير الأجنبي وتميز
بالعزلة الجغرافيـة ، وهو ما يبدو في منطقة الدراسة عند المقارنة بين
الأشكال البسيطة البناء في المناطق الجبلية والمنعزلة من ناحية ، وتلك التي
تحتل مواضع ساحلية ، حيث كانت الجهات الساحلية مفتوحة للمؤثرات الأجنبية
بتأثير التجارة والأسفار البحرية منذ القـدم من ناحية أخرى .
والخلاصة أن دراسة العمران التقليدي في بيئة جغرافية معينة تحاول
استخلاص المعلومات عن أبعاد هذا العمران التقليدي وما يتضمنه من أفكار
خلاّقة ، وحلول لمشكلات السكن في بيئة معينة ، وهو ما يتعرض الآن للاندثار
مع انتشار الأفكار الحديثة والمواد الصناعية ، إلى درجة أنـه أصبح أثراً
بعد عين في كثير من البلدان التي اندمجت بشدة في البناء الحديث ، كما أن
بعض المناطق التقليدية قـد جرى هجرها والرحيل عنها ، ولذلك فدراسة العمران
التقليدي تسجيل لبعد من أبعاد الجغرافيا الحضارية في بيئة جغرافية معينة .
الفصـل
الثالـث
الضـوابط البيئيـة لعمـران التقليـدي في دولـة الإمـارات العربية المتحـدة
ارتبط العمـران القديم كما رأينا في التحليل السابق بعوامل
بيئيـة عديدة بعضها طبيعي وبعضهـا بشري ، وفيما يأتي نوجز أ÷م هذه العوامل
المؤثرة في العمران التقليـدي .
يُعـد هذا العامل ذا أهمية كبيرة في العمران في دولة الإمـارات ، حيث ارتبط
العمران منذ القدم ببعض المواضع التي لهـا ميزة خاصة من حيث التركيب
الجيولوجي ، فارتبطت المواضع العمرانية بتراكيب جيولوجية معينة تساعد على
تفجر الينابيع ووجود الآبار ، كذلك حيث سمحت الطبقات بشق " الأفـلاج " ،
وهي أساس قديم من أسس الزراعة ، ووجدت في جبال الحجر منذ الألف الثاني ق.م
، وهي لا تشق إلاّ حيث يمكن إنشاء نفق صناعي ، يمتد أفقياً في الطبقات
الصخرية الحاملة للمـاء الباطني ، وهو ما لا يمكن تنفيـذه في الطبقات كافة
.
وترتبط الواحات ، بحكم كونها منخفضات ، بالتركيب الجيولوجي الذي يسمح
بالحصول على الماء الجوفي بسهولة وعلى أعماق قريبة نسبياً من المناطق
المحيطة بها ، كما هي الحال في واحات العين والذيد وغيرهما ، ومن ثمّ ارتبط
العمران بهذه الواحات منذ القدم ، ومما يدل على ملاءمة مناطق جيولوجية
معينة لتوافر الماء أنّ الدلائل الأثرية أشارات إلى هجر بعض المواضع بعد
انخفاض مستوى الماء الجوفي بها ، وتحرك السكان إلى أماكن أخرى أوفر مـاء.
كذلك لعبت أنواع الصخور دورها في العمران التقليدي ، فبعض الأنواع كالصخور
الجيرية ، شجعت وعضّدت العمران ؛ لاحتوائها على الماء وسهولة تشكيل الحجر
الجيري في البناء ، بينما نجد الصخور البركانية والنارية الصلدة في جبال
الحجر بالمنطقة الشرقية أعاقت العمران ، ولذا حظيت المناطق الأولى عادة
بمواضع تاريخية للاستقرار البشري ، مثل منطقة جبل حفيت بالعين . وكان لوجود
بعض المعادن ، وبخاصة النحاس في جبال عمان ، أكبر الأثر في وجود دلائل
عمرانية من عصر المعدن ، وعلى وجود تجارة نامية عرفتها الإمارات مع مناطق
أخرى كان عمادها معـدن النحاس .
(ب)
السطح والظاهرات الجيومورفولوجيـة :
ارتبـط العمران تقليدياً في الإمارات منذ البداية بمناطق السهول
والمنخفضات كما رأينـا ، وأثر في هذه المواضع تغيرات خط الساحل ؛ إذ إنّ
الجبهة الساحلية جذبت الاستقرار البشري دائماً ، وعرفت بعض مواضع تاريخية
كان عمادها الصيد البحري . وقد أثر تغير خط الساحل في كثرة هجر مواضع ،
والاستقرار في مواضع جديدة تكون بمنأى عن الغمر والغرق وملائمة أكثر
للمعيشة ، ولذلك اختفى العديد من المواضع التي وجدت بجوار خط الساحل ،
وكثرت المواضع المفقودة التي لا يمكن تتبعها بعد تعرضها لترسب الرمال
البحرية وضياعها تحت السبخات الحالية ، ومثل ذلك مدينة "الدور" التي أُشير
إليها قبلاً ، وكانت معظم المحال تنشأ على خلجان وأخوار (
Greeks
) ليست ثابتة المجرى ، فتتعرض لفعل الرياح والأمواج وتطمرها الرواسب. ويؤثر
عامل التضاريس أيضاً في اختيار الموضع ، وكان ذلك في القديم كما هو في
الوقت الحاضر ، وصورة (2) توضح صعوبة السطح في مناطق الوديان الجبلية ، مما
يؤثر في اختيار مواضع آمنة للعمران في المناطق المعرضة للخطر وقت جريان هذه
الوديان ، وتتخير مكاناً مرتفعاً ؛ لتكون بعيدة عن فعل السيول والفيضانات
التي كثيراً ما يجلبها الوادي ، كذلك ساعدت بعض المظاهر التضاريسية العمران
التقليدي بكثرة الوديـان التي تشق الجبال ، وتكون قيعانهـا وجوانبهـا مناطق
صالحة للزراعة والاستقرار ، وساعد ذلك على تنـوع النشاط بين الزراعة في
السهول كما في سهول الباطنة الزراعية بالمنطقة الشرقية ، وحرفة الرعي على
السفوح والروابي كما هي الحال عند قبائل "الحبوس والشحوح " ، والجمع بين
الرعي والزراعة كما في منطقة السهل الحصوي الداخلي إلى الغرب من الجبال
الشرقية (جبال الحجر ) ، وهو بعرض من 25-35كم. أما بقيـة الأراضي فتغطيها
هضبة صحراوية رملية ، تشغل 80% من مساحة البلاد (1) وهذا الوضع التضاريسي
جعل هناك تباينـاً في إمكان قيام العمران في المناطق المختلفة ، إذ لا يوجد
في المنطقة الأخيرة سوى بعض مناطق الواحات كالذيد وفلج المعلا ، وحتى واحات
العين ، وكانت سهولة استغلال المعادن في جبال الحجر من أسباب تدعيم العمران
كما رأينا وبخاصة في منطقة وادي قور في الجبال الشرقية من دولة الإمارات .
وسبق أن لاحظنا أن العمران تأثر نمـوه في الألف الثانية ق.م ، بزحف الرمال
وانخفاض مستوى الماء الجوفي ، مما أدى إلى طمس بعض المواضع ، وأيضاً طمس
بعش طرق التجارة بين العين وأم النار (قرب أبوظبي ) ، وكانت طريقاً تقليدية
للتجـارة القديمـة .
(ج)
العـوامـل المناخية والنبـاتية :
كانت استجابة العمران التقليدي في الإمارات واضحة جلية منذ القدم
حتى الوقت الحاضر ، فقد عمل السكان دائماً على تقليص التأثير المناخي
القاسي في منطقة الخليج بابتداع منازل ذات تصميم يصمد أمام العوامل
المناخية ، ولاسيما الحرارة الفائقة والرطوبة المرتفعة ، وهو ما نجد له
مثيلاً في العديد من جهات العالم المماثلة . ففي ولاية كلورادو الأمريكية
نجد منازل تقليدية طينية (من اللبن)، تكون فيها الحوائط والجدران مزدوجة (Double
wall)
، ويكون كل حائط بسمك 6 بوصات ، يفصل بينها 4 بوصات للهواء وفي دولة خليجية
قريبة من الإمارات هي البحرين ، ولها الخصائص المناخية نفسها ، نجد أن
عناصر المبنى وتركيبه تشيد لتقاوم المناخ القاسي صيفاً ، فتكون فتحات
الطابق الأرضي ضيقة ومرتفعة للاحتفاظ برطوبة داخل المنزل إلى أقصى حد ،
كذلك تتم حماية النوافذ والفتحات بسواتر خشبية حماية لها من أشعة الشمس ،
وكل خطة المنزل البحريني التقليدي موظفة للحماية من المناخ ويحدث مثل ذلك
في دولة الإمارات مع وجود تباين من منطقة لأخرى في الاستجابة لعنصر المناخ
؛ فمساكن المدن الساحلية تبدي مقاومة للمناخ عن طريق الجدران السمكية
وإنشاء " البراجيل " في المباني ، كما أنّ تخطيط المنزل من الداخل يعكس
الرغبة في تقليل تأثير الحرارة من خللا تنظيم أجزائه المختلفة .
أما في المناطق الداخلية ، فتتجلى الاستجابة في استخدام المواد
البنائية الخفيفة المحلية التي تسمح بالحصول على أكبر قدر من تلطيف الجو ،
كما يبدو ذلك في تبني السكن والإقامة صيفاً في منازل تقليدية من نوع العشش
، منها العريش ، والخيام وما إلى ذلك. وفي الجبال يعوض الارتفاع عن شدة
الحرارة ، وتقل على المرتفعات ، وتأخذ المساكن التقليدية أشكالاً مشتقة من
البيئة الجبلية ، وهكذا نجد تنـوعاً بحسب طبيعة كل منطقة بالإمارات . ونجد
مثل ذلك التنوع في المسكن التقليدي في دولة عربية أخرى تتميز بتنوعها
الجغرافي كالإمارات على الرغم من صغر مساحتها ، هي لبنان ، إذ نجد أن
المناطق الساحلية والرطبة يسودها مساكن لها خاصية الامتصاص والعزل الحراري
وتقليل التفاوت الحراري بين النهار والليل ، كذلك يُسمح في تخطيط المنزل
الاستفادة بالجبهة البحرية وتسهيل التهوية العرضية (
Cross – ventilation
) ونجد مثل ذلك في الإمارات ويضاف إليه وجود التهوية الرأسية أيضاً .
(
Vertical ventilation
) عن طريق ما يُعرف "البراجيل" التي سندرسها تفصيلاً عند الحديث عن التركيب
الداخلي للمسكن التقليدي في الإمارات ، وهذه سمة تكاد تميز العمارة
الخليجية الساحلية عموماً . وقد نهضت مثل هذه الوسائل الطبيعية في تقليل
آثار المناخ الحار ، إلى درجة أن بعضهم يرى أن منطقة مثل منطقة البحر
المتوسط ذات المنازل المصممة للتعامل مع المناخ بصورة طبيعية , لا حاجة لها
إلى أنـواع التكييف الصناعي الشائع اليوم . وقد فطن سكان السواحل في
الإمارات إلى أهمية اختيار مواد البناء ، ومن ثم فهم يبنون بيوتهم بأحجار
المرجان في المدن والريف ، وأيضاً بالطين واللبن وهي مواد تحقق التلطيف
الأمثل صيفاً وشتاء ، وتحفظ للمنازل حرارتها المقبولة ، نظراً لخاصية
المواد سالفة الذكر . لذا فإنّ تصاميم المنازل التقليدية في الإمارات
بأنواعها قد راعت التكيف مع الرياح السائدة صيفاً وشتاءً ، وصممت مساكن
للشتاء وأخرى للصيف ، وعادة ما يطلق تعبير منازل " المقيض" على مساكن الصيف
، ومنازل " المشتى" على مساكن الشتاء . ومعظم المساكن التقليدية في
الإمارات تُراعي فيها أن يكون السقف مرتفعاً ؛ ليتحقق للمسكن أكبر قدر من
الراحة ، وبخاصة في الفصل الجاف الحار ، وتميز المنزل لذلك بجوه الداخلي
الرطب الرحب لارتفاع الأسقف ، والتي هي ذاتها من مواد بنائية كالخشب
والجريد والحصر في صورة طبقات يعلو بعضها بعضاً ، فتساعد في العزل الحراري
. ومثل هذا الأسلوب يتبع في مناطق أخرى من العالم ، حيث توجد مساكن تقليدية
ترجع إلى القرن التاسع عشر كما هي الحال في جنوب ولاية أوهايو الأمريكية
التي تُبنى دائما مرتفعة الأسقف ، وقد استمده السكان هناك من ولايات أكثر
جنوبية مثل فرجينيـا .
ولما كان المناخ مؤثراً في النبات ، فقد لعبت النباتات دورها في
العمران التقليدي ، وكان عدم وجود ثروة نباتية خشبية غنية أحد أسباب اتجاه
معظم المساكن التقليدية إلى الاستفادة من البدائل المتاحة ، ويأتي على
رأسها أشجار النخيل التي استخدمت بكفاءة بالغة في أجزاء المسكن وبخاصة
كدعائم وفي الأسقف ، وكذا استخدم الجريد أو ما يطلق عليه محلياً اسم (الدعن)،
ومع نشاط التجارة الخارجية عرف السكان الخشب المستورد ، الذي يطلق عليه
محلياً (الجندل) ، واستوردوه من الهنـد وشرق أفريقيا وإيران وباكستان ،
كذلك استوردوا مواد نباتية أخرى لازمة لعمران التقليدي ، وبخاصة ما يعرف "
بالباستيل" أو الباسجيل من جنوب العراق ، حيث الأخوار والمستنقعات التي
تلائم نموه ، وهو شبيه بالغاب أو البامبو ، وتشق الواحدة شريحتين لتستخدم
في الأسقف وليس معنى كثرة استيراد هذه المواد أن المواد المحلية لم تستغل ،
إذ إنّ النخيل يكاد يكون واسع الشيوع في أبعاد العمران التقليدي كافة حتى
في المدن ، يُضاف إلى ذلك أن الثروة النباتية المحلية من السبخات والأخوار
والسواحل تلك الموجودة في منطقة "كلبا" خاصة المليئة بأشجار " المانجروف "
أو القرم الذي له ميزة وخاصية استصلاح الأراضي ، قد جرى استغلالها منذ
القدم بكفاءة كبيرة ، واستفاد السكان منها في البناء ، واستغلوها كوقود ،
وكانت مصدراً لغذاء الطيور ، التي بنت أعشاشها عليها . كذلك أنتـج السكان
منها بعض الأصباغ .
أمـا الثروة العشبية ، مثل نبات " النص" فاستغلت كغذاء للجمال
وبقية الحيوانات . أما الأنواع الشجيرية فيستفاد منها كوقود أكثر منها
للبناء، أما فروعها الدقيقة فاتخذوها غذاء للحيوان ، ومن ذلك نباتات الكرى
والسبط والعلنا والضرم والهرم والرفلة والعراد والأرطة والعبل. أما الأشجار
فعديدة بالإمارات ، وقد تصل في ارتفاعها إلى 6 أمتار وبخاصة في شمال شرق
البلاد وجهاتها الشرقية ، ومن أكثرها انتشاراً السمر والغاف والأشخر والسدر
والغضا والجز والأثب والشريش والسلم والشوع. ويعد الغاف أضخم أشجار
الإمـارات .
وتـرى (كاي
Kay
) أن شجرة المانجروف مثالية لما أوردنا سابقاً من خصائصها فضلاً عن كونها
تصلح في صناعة بعض صواري القوارب ، ولا تزال تستخدم في البناء التقليدي إلى
اليوم ، وقد وجدت بقايا نباتية قديمـة في مواضع عمرانية أثرية في منطقة
"هيلي" تنتمي إلى العصر الحديدي ، مما يدل على قدم أهميته للبناء في منطقة
الدراسة . ولا تزال النباتات تستخدم في المنازل التقليدية حتى اليوم كعامل
ملطف لدرجة الحرارة . وتوجد شجرة واحدة على الأقل في فناء كل منزل ،
والصورة (3) توضح منطقة عمران تقليدي تسودها الأشجار داخل الأفنيـة .
ثـانيـا – الضوابط البشـرية وهـذه تشـمل :