|
|
خليفة بن قصمون
البحر سلطان ..
يحكم على هواه ومزاجه |
 |
((أبو فيصل )) عشق البحر منذ نعومة أظافره، لذلك جاءت
كلماته كموجه، مرة مندفعة متدفقة، ومرة رقراقة ناعمة، لكنه
رغم هذا العشق الكبير لم يتغير رأيه في أن البحر ليس له
صاحب، وهو للأسف غدار ولا يرحم!.
سوالف شائقة كنا نتمنى ألا تنتهي، كانت رحيق تجربة طويلة و صعبة،
ممتزجة بالمرارة أحياناً رواها لنا خليفة عن البحر و
أهواله و سوالفه، فيها الفرح المبهج، وفيها الكآبة و
الحزن، لكن يبقى البحر رغم (( لوثاته )) هو عشق أبناء
الإمارات اليومي وسر من أسرار تشبثهم بالمكان كشعاب
مرجانية، تموت إن انفصلت عنه .
اللقاء مع(( أبو فيصل )) كان له طعم جميل خاصة وأنه يحوي الكثير من
سوالف البحر و معاناة الأجداد و التي نرويها لأبنائنا ليس
للتسلية، وإنما ليعيشوا التجربة بحلوها و مرها، وليتعظوا،
و ليتعلموا، و ليحمدوا الله علة ما أنعم به عليهم من
رفاهية ورغد العيش، و يحرصوا على صون هذه النعمة بشكر
المنعم .
خليفة سيف بن قصمون عمره الآن بالتقدير حوالي 65 سنة، له من الأولاد
و البنات بسم الله ما شاء الله عشرة، و كلهم كما يقول: من
حرمة واحدة، وله من الأحفاد أربعة و اثنان في الطريق.
أبو فيصل يؤرخ بوفاة عبد الناصر لسنة زواجه (1970) قال: تزوجت سنة
ما توفي عبد الناصر و كانت معيشتنا والحمدلله بسيطة، لا
نحن فوق ولا حدر(تحت)، وكان معظم الناس في منطقة الشارقة
يعملون في البحر، رزقهم على الله ثم على ما يصيدونه من
السمك في الشتاء، أما في الصيف فكانوا يسافرون إلى الغوص
في رحلة شاقة تستغرق أربعة أشهر، يبحثون عن اللؤلؤ وهم
وحظهم و نصيبهم، منهم من يوفق، ومنهم عكس ذلك، وبعد الأشهر
الأربعة يعودون إلى البر ((يعلون)) الجالبوت أو الصمعا أو
السمبوك (سفن الصيد التي كانوا يستخدمونها ) ويعلونه بمعنى
يرفعونه على الشاطئ بعيداً عن ماء البحر حتى يجف في أشهر
الشتاء من المياه التي لابد قد تشربها طوال الأشهر
الأربعة.
المهم، أن الذاهبين إلى الغوص كانوا يحصلون من النوخذة أو راعي
المحمل على قرض لا يتجاوز الخمسين درهماً يشترون به
أغراضاً للبيت قبل سفرهم، وبعد العودة في الغوص الكبير
تجمع حصيلة اللؤلؤ وتباع للطواويش (تجار اللؤلؤ) ويأتون
بالكراني (الكاتب أو المحاسب) فيحسب الحسبة ويقسم قيمة
الحاصل عل المشاركين بعد خصم تكاليف المأكل و المشرب
والسفينة، ويخصمون حاصلتين للحكومة، ويعطي النوخذة باقي
المشاركين كلا منهم نصيبه بعد خصم القرض الذي سبق أن حصل
عليه قبل بدء رحلة الغوص، لكن نصيب الفرد يختلف كل حسب
عمله، وحسب نوع الغوص: الكبير و الصغير و الردة .
أما في الشتاء فيذهب بعض أبناء المنطقة إلى صيد السمك، و البعض
الآخر يعملون على السفن الكبيرة المسافرة التي تحمل التمور
و خلافه من البصرة إلى الهند و بلاد أفريقيا .
سوالف الصيد:
يواصل خليفة بن قصمون ذكرياته مع الصيد والبحر فيقول : كانت
الإمكانيات في الماضي بسيطة , ورغم ذلك كان الخير وفيرا
بحمد الله, كان الصيد يبدأ من بعد صلاة الفجر و ينتهي في
التاسعة صباحا تقريبا , حيث لم تكن هناك ثلاجات نضع فيها
حصيلة الصيد , فنضطر إلى العودة لبيع السمك في الأسواق
ارتفاع درجه الحرارة خوفا من فساد السمك , فإذا فتح الله
علينا وكان الصيد وفيرا ذهبنا ليبع جزء منه في دبي , أما
كان الصيد قليلا بعناه في سوق الشارقة .
ويبتسم أبو فيصل قبل أن يروي لنا سالفة البياح العربي التي أراد أن
يدلل بها على وفرة الصيد قديما, قال: كان خور الشارقة
متسعا حتى أنه كان يغطي مساحة تصل إلى منتصف الطريق بين
دبي والشارقة , أي أكبر من وضعه الحالي بعدة كيلومترات
مربعة , وكان الخور مفتوحا فلو تصادف دخول وخروج عشرة سفن
في وقت واحد لما حدث أي تصادم بينها , المهم ذهبنا إلى
الخور وطرحنا الليخ (الشبك)) ورزقنا الله يومها بشحنات 13
تريب جيب لاندروفر (13 حمولة سيارة جيب لاندروفر ) ,
والحملة الواحدة كانت تساوي طنين , أي في رمية واحد للشباك
صدنا 26 طنا من البياح العربي الذي هو أفضل أنواع الأسماك
, وأصغر سمكة منه كانت تزن كليوجراما على الأقل , طبعا
كانت فرحة عظيمة وخيرا كثيرا ورزقا وفيرا من الله سبحانه
وتعالى ’ بعنا منه في الشارقة ودبي, وبعنا أربعة أطنان في
عجمان.
وابتسم أبو فيصل قبل أن يروي لنا سالفة ابتسام البحر , ويبدو أنه
رد فعل تلقائي , قال : أذكر في الستينات قالوا لنا : إن
خور البيضا بين رأس الخيمة و أم القيوين فيه صير و فير،
شددنا الرحال إلى هناك على أمل أن نحظى بذلك الصيد الذي
قالوا عنه، وصلنا إلى المكان المحدد قبل المغرب، طرحنا
الليخ في البحر وكان طوله قرابة 4 كيلومترات، وبقينا في
الانتظار من بعد صلاة المغرب حتى بعد صلاة العشاء، و كان
لابد أن نلم شباكنا مكتفين بما رزقنا الله إن كان فيها
رزق!، و كانت مفاجأة صاعقة، الشباك متروسة (مليئة)
بالأسماك الأمر الذي يستحيل معه رفعها إلى المركب، لأنها
لن تتسع أو تحتمل هذه الكمية من السمك فكرنا، ولم يطل بنا
التفكير خاصة مع شعورنا بضرورة العودة سريعا، قررنا قص
الشباك إلى نصفين، نصف تركناه بحمولته للبحر، و النصف
الآخر حملناه إلى المركب بحصيلته من السمك دون أن نستخرجه
لأن استخراجه من الشباك يحتاج إلى وقت طويل جداً وجهد
كبير، ورقصت قلوبنا فرحاً وسعادة و رضا و نحن نحول المحمل
(المركب) صوب الشارقة شاكرين الله على ما أنعم به علينا
غير آسفين على فقدان نصف شباكنا بحمولتها من السمك، و سارت
الأمور طبيعية، لكن القلق كان هاجسنا، و فعلاً عندما
اقتربنا من خور أم القيوين دار علينا الشمالي (واجهتنا
الرياح الشمالية)، حاولنا مواصلة السير بمركبنا الشراعي
فلم نستطع و لم نجد مفراً من الدخول إلى خور أم القيوين
حتى تخف الرياح،لكن البحر ابتسم في ذلك الوقت، و ابتسم أي
تضاربت أمواجه من كل اتجاه و على سطحه الزبد الأبيض مع
الأمواج المتضاربة المضطربة فلم نعد نقدر على تحديد خط
سيرنا في الخور، و عندما وصلنا وجه الخور حصلنا مشاعير،
دعمنا فيها، فانظر المحمل (عندما دخلنا في بداية الخور
كانت هناك جزيرة صغيرة لم نلاحظها من الموج المتضارب
فاصطدم بها المركب الذي انفلق إلى نصفين فضاعت الحمولة و
غرق المركب، ووجدنا أنفسنا نحن السبعة نصارع الأمواج و
الرياح، و حمدنا الله وقتها أن البحر كان جزراً لحملنا إلى
الداخل و لما جلسنا معك هذه الجلسة، و يضحك قائلاً : طبعاً
ستسأل و كيف نجوتم؟ قلنا له بالطبع، قال: فوجئنا بالنش
يأتي لا نعرف من أين ولا كيف وبه بعض الصيادين و أخذوا
يلتقطوننا واحداً تلو الآخر من البحر ، بعد أن أنهكنا
التعب، ليكتب الله لنا النجاة على أيديهم .
بو عشيبة المتوحش:
ويواصل أبو فيصل حكاياته الشائقة، قال: كنا مرتبطين بالبحر إلى حد
بعيد ولا نفكر مرتبطين بالبحر إلى حد بعيد ولا نفكر في
الابتعاد عنه حتى في وقت راحتنا أو عدم وجود صيد , كانت
هناك علاقة تواصل غريبة بيننا , رغم تطاوله أحيانا علينا
وتكشير ته التي تنتقض لها الأبدان , لكن المهم , أنه ذات
مرة في السبعينات , كنا نتمشى بحوار الشاطئ في وقت راحتنا
قرب المغرب , فوجدنا طيور البحر تنقض على المياه وتصعد في
حركة دائرية مستمرة , وهذا معناه بالنسبه لنا نحن أهل
البحر أن هناك أسماكا صغيرة تطاردها أسماك كبيرة قريبة من
الشاطئ , و أن هذه الأسماك الكبيرة بكميات كبيرة , وعلى
الفور , جرينا إلى مركبنا وشباكنا, وحاولنا حصار أسماك
الجاشع الصغيرة التي كانت تطاردها في البحر أسماك التبان ,
ومن الجو تنقض عليها طيور البحر , وجئنا نحن بشباكنا لنريد
((البحر)) بله على تلك الأسماك المسكينة , (يضحك ) , كنا
بشباكنا نقطع الطريق على أسماك التبان , أي نضع الشباك في
طريقها ونحاصرها قبل أن تبتعد , حتى حاصرناها تماما من كل
الاتجاهات , وبقيت فتحة صغيرة تقدر بأربعة أمتار لم تطلها
الشباك , وبدأت الأسماك تتجه ناحية هذه الفتحة لتخرج منها
, فكان لابد أن ألقي بنفسي في المياه و أشارك في حصار
أسماك التبان بعمل ضجيج في الماء بالخبط باليدين والرجلين
وبالصوت العالي حتى يتراجع السمك إلى الداخل , وما أن بدأت
حتى صرخ أحد رفاقي على المركب بأعلى صوته في رعب : بو
عشيبه .. فوجدتني في ثوان أقفز إلى المركب وكل الأيدي تمتد
لي لتساعدني , وما أن اعتليتها حتى سمعت صوتا قويا لسمكة
قرش ضخمة نسيمها بو عشيبه وهي تصطدم بالليخ , جلست على
المركب في رعب أكاد أتجمد من الخوف و أنا أتصور ماذا يمكن
أن يحدث لي لولا ستر الله .
أسبوع كامل بلا نوم :
ويتذكر خليفة سيف بن قصمون حكاية عمله في الشركة والبحر ويرويها
لنا وهو يشبه ناس زمان أنهم كانوا من حديد , الواحد منهم
يعمل ليل نهار دون أن يكل أو يمل ويتعب ويشقى ويكد من أجل
لقمة العيش , قال : زمان كان الفقر شديدا وكانت الصحة قوية
, وهذه الأيام نعيش والحمد لله في رفاهية , لكن الصحة عند
الغالبية معتلة , أذكر في الثمانينات عندما تطور الوضع في
بلادنا وظهر البترول وبدأت الشركات وقطاعات الأعمال تتدفق
على البلاد في كافة المجالات , كنت أعمل في إحدى الشركات
التي كانت مرتبطة بعمل في ميناء الشارقة القديم ((أبو أرجل
, وقد جاء الوصف لأن أرصفته كانت لها قواعد ممتدة إلى قاع
البحر على شكل أعمدة تمر من بينها المراكب ) , كنت أعمل في
الشركة صباحا , وبعد انتهاء العمل مباشرة كنت أذهب إلى
البحر لصيد السمك بحثا عن الرزق , كنا شبابا لايهمنا التعب
ولا الإرهاق , و أذكر أنه طيلة أسبوع كامل لم أذق طعم
النوم , وأنا أكد وأتعب من اجل الرزق , وأنا حريص ومعي من
مروا بتجارب مثلي أن نحكي لأبنائنا , (( عيال الهمبورجور
)) كيف كنا وكيف عانينا حتى يتعظوا ويتعلموا ويحسنوا صون
النعمة التي أنعم الله بها عليهم, وصون النعم يكون بالحفاظ
عليها وشكر المنعم , نحن في الماضي كانت الحياة ضعيفة
بسيطة , كان الفقر في كل مكان , لكن صحتنا كانت والحمد لله
بخير والناس الأول من حديد لا تكل ولا تتعب , أما الآن وقد
زادت النعمة وحلت الرفاهية , فالناس أصابها الترهل والضعف
وأصبحت لا تقوا حتى على المشي , و أحكي لك حكاية شخص
يسمونه حميد بن عبيد , هذا الرجل كان في الستين من عمره
وقت السالفة التي حدثت على شاطئ الشارقة , في الماضي لم
تكن هناك موانئ لذلك كانت القوارب الكبيرة تقترب من الشاطئ
, وينزل الناس منها يخوضون في المياه حتى يصلوا إلى الشاطئ
, وتنزيل البضائع كان في غاية الصعوبة لثقلها ولمصارعة
المياه , المهم , أقترب أحد المراكب من الشاطئ وكان حميد
يجلس هناك يرقب الموقف , ووجد أربعة من العمال يحاولون
أنزال كيس عيش ( أرز) يزن 100 كليوجرام من المركب إلى
الشاطئ وقد احتاروا فيه وكيف يحملونه , فضحك عليهم حميد
وعلى حيرتهم وتحداهم أن ينزله من المركب حتى الشاطئ بمفردة
, فتهكموا عليه قائلين : أنت رجل شيبه ما عندك مخ , فرد
التهكم بتهكم آخر قائلاً : ما عندي مخ لكن أسنان !!
وسأحمله بأسناني حتى السيف (البر) , فقبلوا التحدي وقالوا:
إن فعلت فهو لك, وبالفعل خاض حميد في المياه حتى وصل إلى
المركب, ووضع إزاره حول الكيس ورفعه بأسنانه وأسنده على
صدره, وراح يخوض الماء حتى وصل إلى الشاطئ لمسافة لا تقل
عن 60 متراً وهم يترقبون في تعجب من هذا الرجل الشيبة الذي
واصل السير ليس لبيته فقط, وإنما إلى الداخل حيث وضعه في
مخزن البيت بناء على الشرط, فهل يستطيع أحد من شباب اليوم
عمل ذلك؟!
في الماضي- يواصل أبو فيصل كلامه-كانت الأسرة تجتمع على الطعام وهذا
نادرا ما يحدث الآن , وكانوا يضعون أمامهم على الأقل أربعة
كيلوجرامات من السمك ومعها كيلو من التمر ويصبون السمن
البلدي على العيش ويأكلون , وهذا الأكل وهذه الكمية لا
يستطيع 15 شخصا أن يأكلوها اليوم , ومع هذا لم يكن هناك من
يزيد وزنه عن 70 كيلوجراما, والأوزان كانت من السبعين وحدر
(أقل ) لأنهم كانوا يبذلون الجهد , والآن الأكل أقل في
كميته وقيمته الغذائية و الأوزان ما شاء الله من 100 وفوق
!!
حكاية محمد بن سيف :
ويقول أبو فيصل : البحر علمنا الكثير الكثير , حياتنا معه كانت
صعبه لكن لا نستطيع البعد عنه لأنه مصدر رزقنا , نحن نسميه
السلطان لأنه يحكم على مزاجه , يحكم كما يريد , وكل شيء
راجع له وليس عنده صديق , ما أسرعه إذا رقد, وما أسرعه إذا
صحا ,يتحالف مع الهواء وبينهما اتفاق , والهواء في البحر
يتحالف مع الهواء وبينهما اتفاق , والهواء في البحر عدو
الإنسان , الهواء إما شمالي أو بري أو كوس أو بحري .وهناك
الياهي والمطلعي والسهيلي ما يسمونهما عريض , و إذا جاء
العريض يأتي معه بالرطوبة التي تبلل الشراع فتسد مسام
القماش وبالتالي يصبح تأثير الهواء على المركب أقوى و أخطر
لأنه يدفعه بسرعة أكبر , أما أخطر هواء فهو النعشي الذي
يضرب من الشروق ومن بعده المطلعي الذي يضرب من البحر
وخطورتهما أنه تنتج عنها موجتان متضاربتان في البحر
وبالتالي خلخلة المركب , والمطلعي إذا ضرب في إي وقت لابد
أن ينتج عنه أمطار وهي التي يسمونها في المنطقة الشرقية
(روايح ) , لقد علمنا البحر الكثير و أصبحنا _ ويقطع أبو
فيصل كلامه قائلا _ سأحكي لك قصة محمد بن سيف , هذا الرجل
كانت عنده خبرة عميقة في البحر , كان يصحو لصلاة الفجر
ويقبض قبضة من رمال السيف (شاطئ البحر )والبحر سجي (مد)
ويشتمها ويقول : (( اليوم يا لربع (الاخوة ) وصلت السمكة
الفلانية )) , فهو من رائحة الرمال يعرف نوع السمك الذي
اقترب من الشاطئ ويحدده لنا لنذهب للصيد , وقد يتساءل
أحيانا (( إن هذه الأيام هي موسم السمكة الفلانية ولست
أدري لماذا تأخرت فأنا لا أشم رائحتها ؟))
أنها خبرة علمتنا له ولنا الأيام و أتمنى أن نعلمها لأولادنا هي
وغيرها لأنها خلاصة تجارب عشرات السنين نقدمها لأولادنا في
جلسة أو أكثر , خالصة ليستفيدوا منها في حياتهم .
|