:: الصفحـة الرئيسية > شخصيات في الذاكرة

شخصيــات في الذاكــرة

 

الشيخ أحمد بن إبراهيم بن طاهر

تزود بالعلم في الأربعين .. وعمل خطيبا وإماما في مسافي ودبا وقطر والشارقة

 

الوالد أحمد بن إبراهيم بن طاهر المحرزي يستحق منا القبلة التي طبعاها على جبينه ورأسه بعد أن أرهقنا ونحن نقش في ذاكرته .. وذلك احتراما و إعزازا لهذه الشخصية التي بمقاييس الآن و أيام زمان.. هي بالتأكيد عظيمة تستحق الثناء والتقدير والتوفير .

 

الرجل الذي يتدثر بخمسة وتسعين عاما من الذكريات .. والتي تحكي كيف تحمل هؤلاء الرجال قسوة الحياة وصعوبة العيش .. وتحكي كيف خرج في ظل الظروف وهو ابن الأربعين عاما قاطعا الصحارى والجبال .. مشيا على الأقدام أو فوق دابة واهنة . لينشر العلم أو يبحث عنه في منابعه لنخدم أبناء وطنه وأهله .. وكيف لاقى من المصاعب التي في هولها نبتت أول شعرات بيضاء في رأسه ولحيته.. ثم عاد بالنور ليضيء العقول والقلوب في رحلة كفاح أخرى تعد مضرب الأمثال بين أبناء قريته .

ألا يستحق منا هذا الرجل أن ننزوي أمامه احترما وتقديرا ؟ .. وأن نصغي إليه بكل اهتمام وهو يعصر سحابة النسيان التي بدأت تحوم فوقه ذاكرته .. يستمطرها .. كما طلب السقيا من الله سبحانه وتعالى وهو يصلي إماما بالمصلين في قريه دبا الغرفة قبل ستين عاما .. فأبرقت وهو في الخطبة الأولى بعد أن كانت السماء صافية تماما .. وعطرتهم ب (النفاق ) في الخطبة الثانية .. وجرت الوديان بمجرد انتهاء الصلاة .

 

الشيخ أحمد بن إبراهيم بن طاهر المحرزي واحد من أولئك الرجال أهل الخير والبركة الذين يرحمنا الله برحمته لهم .. هذا الرجل وبمساعدة ابنه إبراهيم .. عبرنا معه نفق الزمان في ركض ضد التيار .. وصلنا إلى قريته مسافي التي تغيرت صورتها تماما بمرور السنين.. و إن بقي إطار الصورة كما هو .. سلسلة من السنين .. الجبال الشاهقة ترك الزمن بصمته على محياها .. تحتضن القرية المدينة بحنان تحكمه عشرة العمر الطويل .. جلسنا نستمتع بجمال جوها وندى نسيمها .. وبذكريات الشيخ أحمد بن إبراهيم المحرزي :

-          ولدت في مسافي في أسرة كلها علم .. فوالدي والدي – جدي تغمده الله برحمته – ووالدي .. كانا صاحبي مدارس لتحفيظ وتعليم القرآن الكريم و أمور الدين بشكل عام ... من هنا .. كانت نشأتي هذا الجو العلمي الروحي البسيط الجميل .. تعلمت القرآن الكريم على يد والدي في مدرسته التي افتتحها في مسافي .. كان عدد التلاميذ يصل إلى خمسة وعشرين تلميذا تقريبا .. تبدأ الدراسة في المدرسة بعدد وافر من التلاميذ .. ثم يتناقصون هروبا تحت ضغط الظروف الاقتصادية الصعبة التي كانوا معها لا يستطيعون دفع الأجرة .. وهي تتراوح ما بين خمس إلى عشر روبيات لختمة القرآن الكريم .. غير الخميسية .. وهي الهبة التي يدفعها التلاميذ أسبوعيا وتتنوع ما بين ربع أو نصف روبية .. وكان مبلغ الختمة لا يدفع كله  دفعه واحدة .. وإنما بنظام التقسيط .. فمبلغ يتم الاتفاق عليه عند ختم ثلث القرآن الكريم ..  و آخر عند نصفه .. وثالث عند الوصول إلى أرباع القرآن الكريم .. والباقي عند ختمه .. فقد كان الناس بسطاء جدا .. ولكن حبهم للعلم كان كبيرا .. وقد تتعجب كيف تفتح هؤلاء الناس بأهمية العلم رغم الظروف التي يحيط بهم والتي يمكن أن تقول إنهم كانوا يعيشون في غزلة عن عالمهم الذي من حولهم .

-          ويتابع أبو إبراهيم : تعلمت القرآن على يد والدي في هذه المدرسة التي كانت مختلطة .. وتتراوح أعمار تلاميذها ما بين السابعة والثالثة عشرة .. كانت  (السبلة ) – المكان الذي يجلسون فيه للدراسة – عبارة عن عريش بسيط إما من جريد وسعف النخيل صيفا .. أو خيمة ( كرين ) من السعف شتاء . كان الأولاد يجلسون في جانب سلبي .. والبنات الجانب آخر يتعلمون القرآن الكريم .. وقد حرص والدي رحمة الله عليه أن يعلمني القراءة والكتابة أولا .. ثم علمني القرآن الكريم , وعندما كبرت .. طلب مني أن أساعده في تعليم الأولاد والبنات لعشر سنين .. كان لهذه المدرسة شأن كبير .. فقد تخرج فيها عدة شخصيات كان لهم دور كبير في المجتمع فيها عدة شخصيات ممن كان لهم دور كبير في المجتمع فيما بعد ومنهم على ما أذكر : أحمد بن عبود .. راشد محمد بن راشد .. وبن عليوه .. وعندما سألنا : بن عليوه من .. ؟ قال نسيت .

 

            مدرسة دبا :

-          ذاع صيت المدرسة وذاع صيت والدي الذي جاءه رسول من الضناحنة في دبا ( قبيلة الضنحاني )  يطلبون منه افتتاح مدرسة دبا الغرفة .. رحب والدي .. واعتبر أن بابا من أبواب إيصال العلم قد شرع أمامه .. و أن باب من أبواب الخير سيفتحه أبناء الضناخه الذين كانوا يحرصون تعليم أبنائهم .. حتى يكون إمامهم وخطبيهم من أبنائهم فيما بعد .. فقد كانوا أكثر تفتحا من غيرهم  في ذلك الوقت لأن دبا كان طريقا تجاريا . فيها حركة واتصال بالعالم الخارجي بحكم كونها على البحر .

-          رحل والدي إلى دبا الغرفة .. وبقيت أنا في مدرسة مسافي أعلم الأولاد والبنات الذين وصل عدهم إلى عشرين ولدا وبنتا .. كان العدد عند والدي قد وصل 25 ولدا وبنتا .. لكن العدد تناقص فيما بعد بسبب المجاعة التي ضربت المنطقة مع العالم كله إبان الحرب العالمية الأولى .. ولكن مع ذلك .. كان هناك من يحرصون على تعليم أبنائهم .. واستمر الحال على ذلك لمدة سنتين .. ثم طلبني والدي لمساعدته في دبا بعد شعوري بأهمية وجودي لمساعدته ..  و أمرني بإغلاق المدرسة في مسافي للحاق به .. وكان ذلك قدرنا على أي حال .. فقد كنت ابن الثامنة عشر عاما وقتها .. شاب في مقتبل العمر .. واعتبر راشد بن شيخ الضناحنة أني قد تأخرت كثيرا في الزواج .. و أشار علي الزواج من امرأة كانت تعيش عندهم توفى عنها زوجها وعندها ثلاثة أطفال .. فوافقت .. وكان مهرها ويضحك أبو إبراهيم عندما يتذكر المهر .. ويسكت قليلا .. طلبنا منه أن يقول .. فقال عشرة دراهم .. تزوجت بأم إبراهيم وهو ولدي الكبير بمهر عشرة دراهم فقط .. ولم يبق لي من الأولاد غيره .. وهو الأخير منها والباقي ماتوا صغار نتيجة الأمراض ولعدم توفر الرعاية الصحية .

ساعدت والدي في مدرسة دبا عدة سنوات .. سألنه : كم سنة تقريبا : قال والله لا أتذكرها يا ولدي .. وتعلم على يد والدي ويدي كثير من أمراء الضناحنة وأهل دبا الغرفة .. منهم الشيخ محمد بن علي .. وعبد الله بن سبيت الذي ظل يخطب هناك لعدة سنوات .. ومجموعة أخرى لا أتذكرهم.

 

 

صلاة الاستسقاء :

-ويحكي الولد أحمد بن إبراهيم بن طاهر لنا حكاية شائقة وجميلة في الوقت نفسه .. قال : كنت أصلي بالناس في دبا .. وكنت خطيبا في الوقت نفسه .. وفي إحدى السنوات أصاب المنطقة جفاف شديد على ما هي فيه . .. وأصبحت الحياة أكثر قسوة .. وأصاب الجفاف الزرع والضرع .. فطلب ولاة الأمر أن أصلي بهم صلاة الاستسقاء عسى الله أن يفرج عنهم هذا الكرب  .. فخرجنا في اليوم المحدد إلى المسيح ( مكان متسع منبسط خال من الزرع والبناء ) خرجنا رجالا ونساء وأطفالا .. نسوق أمامنا الحلال ( الأنعام ) .. نهرع إلى الله سبحانه وندعوه أن يسقينا الغيث .. وكنت أشرح لهم أن المعاصي والحسد يحبسان المطر .. فعليكم بالتوبة والاستغفار والتضرع إلى الله وصدق النية في التوجه إليه . وعندما بدأنا صلاة الاستسقاء كانت السماء صافية تماما لا توجد فيها سحابة واحدة .. وعندما بدأت الخطبة الأولى تجمع السحاب و رأينا البرق وسمعنا الرعد .. ولم أكد أبدأ الخطبة الثانية حتى بللنا ( النفاف ))   (( المطر الخفيف )) وانصرفنا نستبشر خيرا .. وما هي إلا ساعة فقط عقب الصلاة حتى جرت الوديان و امتلأت الشعاب وارتوى الزرع والضرع .. وكانت فرحة عظيمة باستجابة الله سبحانه وتعالى لدعائنا وصلاتنا واستغفارنا وتوبتنا .

 

مدرسة البدية :

-          طلبني شيوخ البدية لأفتتح مدرسة عندهم .. وقبلت على الرحب والسعة .. واستأذنت من والدي لأنه باب جديد يفتح للخير .. تركت والدي في دبا الغرفة .. واتجهت إلي البدية التي لم استمر فيها غير سنة واحد فقط .. عدت بعدها لمساعدة والدي الذي ساءت صحته .. ولما اشتد به المرض وشعر بدنو أجله .. طلب أن نعود إلى مسافي  لأنه يريد أن يموت ويدفن فيها .. وفعلا .. بعد عودتنا إلى مسافي بأشهر مات رحمة الله علية .. ودفن فيها كما طلب .

-          ويواصل أبو إبراهيم حديثه : كان علي أن أواصل المسيرة التي بدأها آبائي و أجدادي .. فأعدت افتتاح المدرسة القديمة في مسافي .. صحيح أن عدد التلاميذ كان قليلا .. ولكني اعتبرتها مواصلة لجهود الآباء والأجداد هي هذا الجهد المبارك .. لكن مهمتي الرئيسية عقب العودة إلى مسافي كانت الصلاة بالناس إماما وخطيبا .. وكنت أقرا القرآن الكريم على المرضى على أمل أن يشفيهم اله سبحانه وتعالى بقدرته ..  كما عملت مأذونا شرعيا عقد عقود الزواج في منطقة مسافي وما حولها .. والسيجي ووادي صنفي وممدوح ووادي العييلي .. ومناطق متسعة أذهب إليها عبر طرق غير معبدة على ظهر دابتي .. أو يرسل  أهلها من يحملني إليها على دوابهم .

 

     حادثة وادي صنفي :

 ويضحك أبو إبراهيم ..  شدنا التلهف لسماع القصة .. فضحكته كانت تعني شيئا غريبا وطريفا . أخذ الرجل يتذكر .. ونحن نستجمع كل حواسنا نترقب الطريف والجديد .. قال بعد صمت : أذكر أنه في إحدى المرات طلبوني في وادي صنفي .. وذهبت إلى هناك على ظهر – تكرمون – حمار .. فالمسافة بين الوادي ومسافي تصل إلى حوالي خمسة وعشرين كيلومترا تقريبا .. كنا نقطعها في قرابة نصف يوم  أو أكثر .. جلست عندهم . صليت بهم وقرأت على مريضهم وعقدت لمن يريدون الزواج .. وعند العودة .. أكرموني الجماعة جزاهم الله خيرا .. و أعطوني دهنا وعسلا وذبيحتين ومبلغا بسيطا من المال .. شققت طريقي وسط الجبال محملا بالخيرات . ولما خرجت من واد صنفي هطلت الأمطار بغزارة .. وجرت  الوديان .. ولما وصلت إلى وادي السيجي كان الظلام قد حل .. واختفت معالم الطريق بفعل الوديان التي جرت .. وكان علي أن أواصل سيري .. أشق المياه أحيانا أخرى .. وفجأة .. سقط الحمار في إحدى الحفر التي غطتها المياه حتى أذنيه .. وكان علي أنقذ الحمار وما عليه من مؤن .. وأخذت أجتهد .. والمياه تجرفني .. والحمار يكاد يغرق .. وكان قلبي مع تلك المؤن التي على وشك الضياع .. نجحت بعد جهد في إخراجه من عثرته .. لكن بعد خطوات .. سقطت أنا في حفرة أخرى أخذت أجاهد حتى خرجت منها وطلع  علي النهار و أنا في هذا الصراع الصعب والمميت .. ووصلت إلى مسافي منهكا خائر القوى .. لكني كنت سعيدا بنجاحي في إنقاذ ما يمكن إنقاذه من المؤن .. وأداء المهمة لأهلنا في تلك المناطق ..

 

أحسن من غيري :

- تعجبنا لهذا العذاب .. ولتلك الحياة القاسية التي كان يعيشها الأهل زمان .. وتلك الصحراء التي كانت تدثرهم بقسوتها ووحشتها بدلا من الحنان والعطف .. قلت لأبي إبراهيم : كدت أن تودي بحياتك في سبيل بعض الطعام وقليل ن العسل .. قال : معلوم .. فكما قلت لك كانت هذه الأشياء قليلة .. وشحيحة .. وهي عطاء مقابل عمل وكد لعدة أيام .. كانت تستحق أن أبذل من أجلها الجهد و أنال الأجر أيضا .. وكنت أنا أحسن حالا من غيري من أنباء المنطقة .. فغالبيتهم كانوا يذهبون إلى عجمان أو الشارقة أو رأس الخيمة سيرا على الأقدام يحملون بضاعتهم التي ينون بيعها هناك على رؤوسهم .. أو يكترون جزءا من ظهر دابة ليحلموا عليه متاعهم .. بينما هم يمشون على الأقدام على رمال وطرق صخرية غير معبدة لثلاثة أيام ذهابا ومثلها عودة صيفا وشتاء .. كانت حياتنا في الماضي قطعة من العذاب .. لذلك نحن نحمد الله ونشكره ونصلي له لأنه أنعم علينا بهذه النعم التي نحن فيها ليعوضها بها عن أيام الضنك والجوع والعطش وشبه العري التي كنا نعيشها .. ونحن نروي لكم هذه الحكايات ليست للتسلية .. ولكن حتى يعرف شباب اليوم ما كنا فيه بالأمس .. ويقدرون النعمة التي هم فيها .. وتقدير النعمة هو شكرها .. وجحود النعمة بعدم شكرها يؤدي إلى زوالها والعياذ بالله .. عليهم أن يجتهدوا في شكر النعمة التي أنعم الله بها عليهم .. وأتمنى من الله أن يتذكروا ما كنا فيه عندما يحاول الشيطان أن يغريهم باللهو وطيش الشباب .. تى لا يقعوا في المخطور .

 

طلب العلم في الأربعين :

-          يواصل أبو إبراهيم حكايته مع مسافي فيقول : بقيت في مسافي من العمر أربعين عاما .. أعمل إماما .. وخطيبا .. ومأذونا .. ومفتيا.. وأقرأ القرآن الكريم على المرضى .. حياة هادئة بسيطة .. القلوب ليس فيها أي غش .. والصدور لا تعرف إلا الصدق .. يجمعنا شطف العيش وحب التعاون والتكافل .. فإذا أراد أحدنا أن يبني بيتا أو يحفر بئرا أو يقطف ثمرا كالهمبا ( المانجو ) والرطب .. كان يطلب المساعدة عندما يجتمع الناس في المسجد للصلاة .. فيأتي إليه الجميع لمساعدته .. وفي المقابل .. كان يقدم لهم وجبة أو وجبتين من الطعام ويساعدهم عندما يحتاجون .. ولا يفرقنا حتى التنافس أحيانا .. فقد تقع مشادات ..وهذه طبيعة الحياة .. لكن .. سرعان ما يحسمها العقلاء وكبار القوم الذين كانت لهم كلمتهم التي كانت تدور كالسيف .. في ذلك العمر وفي تلك السنة .. رزقني الله بابني إبراهيم من زوجتي التي مات كل أولادي السابقين منها .. في السنه نفسها وكانت 1373 هجرية .. تزوجت من زوجتي الثانية أم محمد .. وفي السنة نفسها أيضا سمعت أن الملك عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية فتح باب المساعدات المالية الشهرية لطالبي العلم في المملكة .. كان حبي لطلب العلم عظيما لان اترك بلدتي وابني وزوجتي الاثنين والحياة التي تعودت عليها .. واتخذت قرارا بالسفر إلى المملكة بحثا عن العلم .. القرار لقي معارضة شديدة من القبيلة و أهل المنطقة الذين ارتبطوا بي .. ومن أسرتي التي وجدت أن السفر لا اعي له في تلك السن وفي هذه المرحلة وفي ظل صعوبة السفر وتباعد الأماكن .. ولكن حبي للعلوم والشريعة كان أكبر من أي اعتراض و أقوى من أي ظروف .. فعلمت على الاتفاق مع أحد أفراد القبيلة هو صالح بن محمد بن راشد المحرزي حتى يسافر للعمل بالسعودية لتحسين وضعه المالي .. وأن يكون رفيقي في السفر .. وافق الرجل .. فحملنا ما نحتاج إليه .. وشققنا طريقنا سيرا على الأقدام .. و أحيانا على الركاب بالتناوب .. واكترينا جملا في طريقنا ل ( بن عطيشان ) في البريمي الذي سمعنا أنه لا يرد أحدا . مما سهل علينا أمور السفر .

-          أكثر من ثلاثة أيام قضاها أبو إبراهيم .. الشيخ أحمد بن إبراهيم بن طاهر المحرزي سيرا على الأقدام مع رفيقه صالح بن محمد في طريقهم إلى ولاية البريمي حيث بن عطيشان الذي أكرم وفادتهم وساعدهم في السفر إلى السعودية , سألنا أبو إبراهيم: كيف كان سفركم إلى السعودية بعد البريمي .. برا أم بحرا ؟؟ ... فكرا طويلا ثم قال : لا أذكر .. ثم حكى لنا حكاية ظهور أول في رأسه ولحيته .. قال : كنا إحدى السفرات في طريقنا بحرا إلى البحرين قضينا فيها سبعه أيام في البحر .. حيث ( هبت علينا الشمال ) وهي عواصف عاتيه و أمطار غزيرة كانت سفيتنا فيها مثل ريشة في مهب الريح .. ظللنا نقاوم الريح سبعة أيام بلياليها .. حتى أننا لم نذق طعم النوم والراحة .. و ألقينا معظم حمولة السفينة في البحر لنخفف وزنها .. حتى قادتنا أقدرنا إلى إحدى الجزر في ( بندرنا ) فيها ( رست سفينتهم ) لنرتاح .. وجزاء ذلك ظهرت فورا بقعة بيضاء في شعري رأسي ومثلها في شعر لحيتي من هول هذه الأيام .

 

  الوصول إلى الدمام :

-          وصلنا إلى البحرين ثم سافرنا إلى الدمام .. وهناك بحثنا عن عمل لصالح بن محمد ووفقنا الله بذلك .. أما أنا فعلمت كاتبا للرسائل في منطقة كتاب العرائض استمر بنا الحال هكذا حوالي سبعة أشهر إلى أن وجدت أحد مشايخ وهو أصله من الإمارات ولا أذكر أسمه الآن .. عندما حكيت له حكايتي فكتب لي توصية للشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي السعودية في ذلك الوقت .. رحلت بالقطار من الدمام إلى الرياض .. وعندما وصلتها سألت عن مجلس الشيخ محمد بن إبراهيم وذهبت إلية .. كان مجلسه عامرا بطلاب العلم من الدول الخليجية والعربية والأفريقية .. ولما علم برغبتي ضمني إلى إحدى الحلقات .. وكانت البداية بتعلم اللغة العربية وتلاوة القرآن الكريم التلاوة الصحيحة على أصولها .. ثم التحقت بدرجة أعلى خلال السنوات التالية .. ودرست تفسير القرآن الكريم ومصطلح الحديث وعلوم الفرائض والمواريث .. وكانت هذه الدراسات موزعة بين حلقات الشيخ محمد بن إبراهيم و أخيه عبد اللطيف .. والشيخ عبدالغزيز بن بارز رحمة الله عليهم جميعا حيث كان بن باز وقتها في الرياض .. وتعلمت على أيديهم لمدة ثمان سنوات ..

كنت أعود خلالها في فترة الصيف لأهلي و أسرتي في مسافي لمدة ثلاثة شهور .. ثم التحق بي في تلك الحلقات من الإمارات المرحوم الشيخ عبد الله بن ناصر والشيخ صديق بن محمد بن حجر ابن أخي قاضي قطر الشيخ أحمد بن حجر , وكانوا وقتها في رأس الخيمة .

بقيت على هذا الموال .. حتى افتتحت المملكة العربية السعودية ( معهد إمام الدعوة ) في الرياض وضمت إليه جميع منتسبي العلم الذين كانوا يدرسون عند المشايخ الذين سبق أن ذكرتهم .. وتحول التعليم من التعليم التقليدي إلى التعليم النظامي من خلال معهد شرعي .. وتشجعت أكثر .. فلما بلغ ابني إبراهيم السابعة من عمره ..أخذته معي إلى الرياض حيث بدأ هو الآخر في تعلم القرآن الكريم وحفظه وتعلم العلوم الدنيوية لمدة سنتين .. لكني بعد أن درست في معهد إمام الدعوة لمدة ثلاث سنوات .. وقبل أن أنهي السنة الرابعة واحصل على البكالوريوس .. شدني الحنين جدا إلى مسافي ..  فقررت العودة دون الحصول على الشهادة .. بعد 11 عاما من الدراسة كنت فيها قاب قوسين أو أدنى من الحصول على شهادة البكالوريوس ..لكنها إرادة الله .. عدت إلى مسافي حيث طلب مني صاحب السمو الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة عدم السفر مرة أخرى و الاستقرار في مسافي لتنوير أهلها والمنطقة من حولها .. بما حصلت علية من علوم شرعية في مختلف المجالات فلبيت الطلب وعملت خطيبا ومرشدا ومقتيا في المنطقة .. واستطعت بفضل الله .. ثم بفضل العلم الذي حصلت عليه أن أنور الناس الذين كانوا يعتمدون في السابق المطاوعة التقليديين البسطاء في علمهم وعملهم .. حتى أنني فرقت بين أزواج وزوجات كانوا قد تزوجوا من بعضهم وهم أخوة في الرضاع .. وقد أنجبوا .. ولما عرضت القضية على القضاه ابن الشيبة في عجمان وبن مقلاد في الشارقة وافقاني على ما قمت به من عملية الفصل .. وبعد عودتي .. ولأنه لم تكن هناك مدارس في مسافي .. فقد دفع ابني إبراهيم الثمن .. وانقطع عن التعليم النظامي ... لكني اجتهدت في تعليمه بجهودي الذاتية لعدة سنوات .

 

السفر إلى قطر :

-          سنوات أمضيتها في مسافي أعلم فيها أبناء المنطقة العلوم الشرعية التي درستها كما يحب .. والحقيقة ... أنني كنت أشعر ببساطة العلوم التي كنا ندرسها لأبناء المنطقة قبل سفري إلى السعودية .. فقد كانت كلها جهودا ذاتية بسيطة .. المهم – يقول الوالد الشيخ أحمد بن إبراهيم المحرزي – فوجئت بطلب من الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود رئيس المحاكم الشرعية في قطر .. والشيخ أحمد بن حجر القاضي الشرعي هناك .. يطلبونني للعمل إماما وخطيبا لأحد المساجد القطرية .. فوجدتها فرصة سانحة .. حيث أخذت معي الأولاد ليكملوا دراساتهم النظامية في المدراس هناك ... وبقيت في قطر من سنة 1968 م حتى 1975 . عدت بعدها إلى الشارقة حيث عملت خطيبا متنقلا في مساجدها .. حتى تم إحالتي للتقاعد قبل عشرة سنوات .

 

 ومع سير التقاعد.. شعرنا أن الرجل بدأ يشعر بالتعب .. فقررنا دفاتر خمسة وتسعين عاما من الذكريات ... أطال الله عمره .. داعين الله سبحانه وتعالى أن يمنحه موفور الصحة العافية .