|
|
سلطـــان
العويـــــس
نموذج إنساني و علامة بارزة في المشهد الثقافي
العربي
|
 |
ولد شاعر الإمارات سلطان بن علي العويس في بلدة الحيرة بإمارة
الشارقة عام 1925 م في أسرة عرفت بحبها للأدب و الثقافة و
أبرز منهم عدد من الشعراء و الباحثين و الأدباء مثل شاعر
الإمارات سالم بن علي العويس و المؤرخ عمران العويس و
الأديب أحمد علي العويس و غيرهم
أعماله و اهتماماته الرائدة :
عمل الشاعر سلطان بن علي العويس بتجارة اللؤلؤ و بأعمال أخرى
متعددة و تنقل في البلاد و كسب بذلك خبرة واسعة في التجارة
و معرفة الناس و اهتم بالإبداعات الفكرية و العلمية و
الأدبية فخصص لها جائزة تحمل اسمه ول مساهماته العديدة في
كافة النواحي الإنسانية و الخيرية و الثقافية على امتداد
أمته في أنحاء المعمورة .
و سلطان العويس رائد من رواد النهضة في الإمارات ... النهضة
الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية و لذلك لم يكن غريباً
أن كرمته الدولة و رئيسها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان
آل نهيان قبل سنوات، جنباً إلى جنب مع حكام الإمارات و
لذلك لأنه من بناة هذه النهضة الشاملة كما كرمته جامعة
الدول العربية ضمن مهرجان تكريم المبدعين عام 1999م .
جائزة العويس الثقافية :
تأسست جائزة العويس الثقافية بعد فترة من التحضير و أعلن عنها في 17
سبتمبر عام 1987 م ة ظلت تمارس نشاطها من خلال اتحاد كتاب
و أدباء الإمارات حتى تم استقلالها الإداري بموجب المرسوم
الأميري رقم 4 لعان 1994م بأمر من صاحب السمو الشيخ مكتوم
نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي مما أتاح له
الفرصة لتشكيل هيكلها الداري و السير نحو بناء مؤسسة
ثقافية رائدة و فاعلة مع التأكيد على ديمومتها و حياتها و
مصداقية انحيازها للإبداع .
تمنح المؤسسة جوائزها كل عامين لخمسة من الأدباء و المفكرين أو أكثر
عن مجمل إنتاجهم الإبداعي و بمعدل مئة ألف دولار أميركي
لكل حقل من الحقول التالية : الشعر، القصة، الرواية،
المسرحية، الدراسات و النقد، الدراسات الإنسانية و
المستقبلية، جائزة الإنجاز الثقافي و العلمي .. نظمت
الجائزة حتى الآن 6 دورات فاز بها خيرة المثـقفين و
المفكرين و المبدعين من العالم العربي .
الشق الآخر (العلمي) لهذه الجائزة هو جائزة العويس للدراسات و
الابتكار العلمي التي تنظمها و تشرف عليها ندوة الثقافة و
العلوم بدبي بتبرع من الشاعر سلطان العويس و تضم الفروع
التالية :
*المسابقة العامة وتدور حول التنمية في مجتمع الإمارات وهي للباحثين
من أبناء الإمارات .
*مسابقة الشباب و يتاح الاشتراك فيها للشباب من أبناء الإمارات ممن
لم يتجاوز أعمارهم 30 سنة .
*أفضل بحث عن دولة الإمارات : دراسات إنسانية وبحوث علمية تطبيقية
للباحثين من كافة الجنسيات .
*أفضل ابتكار علمي :اختراع أو ابتكار علمي أو تطوير لعلم سابق .
*أفضل عمل فني تشكيلي للفنانين من أبناء الإمارات .
*الكتاب المتميز عن دولة الإمارات من تأليف أحد أبنائها .
جائزة شخصية العالم الثقافية : ويتم اختيار الشخصية من بين السمات
التالية :
الشخصية الثقافية المخضرمة , الشخصية الثقافية العامة ,
الشخصية الثقافية المساندة , الشخصية الجديدة والمستقبلية
, الشخصية الثقافية الاعتبارية ,الشخصية الثقافية التي لم
يتم تكريمها عالميا .
ولا ننسى المعاهد والكليات العلمية التي قام بتأسيسها والتي أسهمت
كثيرا في تكريم المبدعين و إبراز الموهوبين و إتاحة الفرصة
لطالبي العلوم والتكنولوجيا.
إن مآثر العويس الاجتماعية والثقافية وإبداعاته الشعرية ستبقيه
خالدا في ذاكرة التاريخ ولن ينسى أبناء الأمة مواقفه
المشهودة .
من روائع شعره
بين يدي القارئ ديوان سلطان العويس الطبعة الأولى من الأعمال
الكاملة للشاعر ولست أدري من أين أبدأ فأنا أمام مرآة
صافية تتماوج فيها عيون الشعر ثرة عذبة .
يتجه سلطان العويس في شعره اتجاها غزليا صرفا يكاد يحصر نفسه فيه
وحده دون غير من الأغراض الشعرية إلا في القليل النادر
وانه ليأخذك في غزله حلاوة ألفاظه وجمال سبكه وحسن صورته
البلاغية فانظر إلى جمال تعبيره في قصيدته إلى الصديق :
أريت كيف حبيبتي تتألق
أتظن أن شبيهها قد يخلق
أوما رأيت حريرها مسترسلا
يغري النسيم فيستجيب ويخفق
إلى أن يقول :
أنا لا ألومك إن فتنت بحسنها
بعض الجمال به فتون مطلق
فما أرق صياغته وأعمق معناه و أبعد خياله ويقول في قصيدة جمح الحب:
جمح الحب بنا يا صاحبي
بعد أن كان الهوى في المقول
وإذا الدنيا لنا أغنية
يرقص الروض بها للجدول
ويستمر إلى قوله :
أين لوامي على بعد المدى
أين مني أذن للعذل
أترى في البعد أنسى أدمعي
أم ترى في القرب يوما أقبلي
أليس في ذلك جمال ورقة في التعبير تسرح بقائلها , وللشاعر قصائد في
غير الغزل فيقول في قصيدته التائهة ( دعوة للوئام )
أقول لقومي بعد أن جد جدهم
دعوا ما مضى واستقبلوا الأمر
بالحزم
أقول لقومي إن في الجو عاصفا
فهل بيتنا ضد العواصف والرجم
ستسألنا الدنيا قريبا فهل ترى
لدينا جواب يستمد من الفهم
والقصيدة ملأى بالحكم الغالية النصائح القيمة التي تدعو إلى البناء
إذا لم يكن اصداء علمك مصنعا
فإن الذي ترعاه وقرا من الإثم
ونحن بعصر لا يرى العلم مقولا
بل العلم إنتاجا من الخبز واللحم
وتصنيع موجود واتقان صانع
وتوفير ما يحتاج في الحرب والسلم
وليس الطريق الصعب رهن إشارة
ولكن كبير الأمر يدرك بالعزم
نعم يا شاعري الكبير إن كبير الأمر يدرك بالعزم والبذل وهل كانت
نفسك وحياتك إلا ترجمة لشعرك فأنت الذي صممت وبذلت وشيدت
المباني وحققت الرغائب بالهمة العالية والعزيمة القوية
التي تطلعت إلى آمالها فسعيت لها السعي الحثيث حتى أدركت
ما تريد.
ويقول في قصيدته ( زايد أبو الجميع قيادة وريادة)
الاتحاد قصيدة وحروفها
أبناؤها وقومها الأمراء
و أبو الجميع قيادة وريادة
هو زايد تجلى به الأدواء
ماض يحقق في الحياة طموحنا
بالرفق حتى عمت النعماء
إن شاعرنا صفت نفسه فصفا شعره وانسابت الكلمات أمامه فاختارها فأحسن
الاختيار ولم لا وهو تاجر لؤلؤ استهواه الشعر فتفوق في
التجارة كما برع في قول الشعر و أحب أمته وحكيمها فصاغ في
ذلك القوافي الرائعة فقال في بطاقة تهنئة ( أبيات مهداه
إلى صاحب السمو رئيس الدولة في عيد جلوسه )
عيد الجلوس وكل عيد ساحب
برد الإباء بعزه الإنسان
ما كان عهداك غير خير زاده
رب الورى بفضائل الإحسان
يا زايد الخيرات كنت أبا لنا
ترعى الجميع برأفة وحنان
لا فرق بين السر والإعلان
إنها الكلمات الخالدة التي تعبر عن نفسها لا تحتاج إلى شرح فهي
صادقة واضحة تنطق بها الفطرة السليمة والشاعرية والمتقدة
وإن أشعر بيت أنت قائله
بيت يقال إذا أنشدته صدقا
إن حياة سلطان العويس و أعماه صفحات مشرفة حيثما قلبتها فهو ابن
الإمارات في سموها وسخائها في أصالتها وتراثها ويقول
شاعرنا في قصيدته التي ألقاها في الحفل الختامي لتوزيع
الجائزة (20مارس 1990) بعنوان (( تحية الإمارات لأهل الفكر
والأدب ) ) .
الإمارات تحيي أهلها
من أتوا من مشرق أو مغرب
فيكم تحلو أهازيج العلا
أغنيات من خلال الموكب
ثم يقول :
قادة الفكر إليكم ننتمي
بشذا المسك وطيب العنب
يا شموخ المجد هل كان النهى
غير نبع في بطون الكتب
هذه أقلامكم في ليلها
تنشر النور برغم الغيهب
حجر زلزل أقدام العدى
أفقد النار جحيم اللهب
فيذكر في الدرة المغتصبة فلسطين فيقول وما أروع ما يقول :
يا فلسطين وحسبي أنني
عربي مسلم في الحسب
لو يصاغ المجد صغنا أنجما
وجعلنا رمزنا وجه صبي
يا دروب المجد في آفاقنا
هاهمو أبطالنا فانتخبي
إن شاعرنا يتدفق عطاء وحيوية وإسهاما في العطاء الوطني والبناء
الإنساني وبناء الأجيال والمجتمع فهو يخاطب المرأة في
إنشاء الرجل الحر الذي نحتاجه فوراء كل رجل عظيم امرأة
فيقول في قصيدة ألفيت في اتحاد نساء الإمارات العربية
المتحدة ..
يا أخت كيف لنا الأمان وقوتنا
ولباسنا ملاكه الأعداء ؟
يا أيها الأم الصبورة جددي
عهد الإباء فأمك الخنساء
لا تطلبين من الرجال كرامة
إن غاب عن لبن الرضيع إباء
يا أخت كيف عروبتي في عالم
علماؤه قد حققوا ما شاءوا ؟
تقنية حاطوا بكل خفيها
وتخافهم في بعدها الجوزاء
أرسوا قواعد في الفضاء تنافسا
هل يحملن لواءها الأبناء ؟
تلك هي بعض رؤى الشاعر رحمه الله التي حملها وهجس بها في كلامه
وأشعاره وأفعاله فكان مثالا للمثقف المؤمن بدوره الداعي
إلى تجنب المثالب والتخلص منها بحزم ووعي فهو يدعو إلى
البناء والتصنيع , يقول في القصيدة غراء ( فقولوا مصنعا )
إن السياسة لا تجوز لأمة
عزلاء من درع ومن بتار
ابنوا المصانع ثم قولوا رأيكم
تجدوه مقبولا أمام الضاري
ودعوا المدافع والبنادق معا
والسابحات وقاذفات النار
صوت الحديد يرن في أسماعنا
أجدى وأنفع من لسان العاري
المسك يعرب عن ذاته وليس بحاجة إلى مدح بائعه وهذا مجمل قولنا مع
شاعرنا الكبير الذي دعانا إلى حرية الفكر وتحرير الإدارة
والعقل الإنساني واكتساب العلم ففيها وحدها القضاء على
الجهل وهو في نظره أصل الداء ومن خلالها فقط سيكون لهذه
الأمة شأن في العالم وتنسجم مع الفطرة التي فطرنا الله
عليها وهي الحرية .
وفاته رحمه الله
الدنيا لا تدوم لمخلوق وسرعان ما تنتهي حياة
الإنسان مصدقا لقوله تعالى (( كل من عليها فإن ويبقى وجه
ربك ذو الجلال والإكرام ))
ويبقى للإنسان عمله الذي يحاسب عليه وتمتد حياة
الإنسان بجلائل الأعمال فطوبى لمن قدم خيرا وعمل صالحا .
توفى 27 رمضان 1420ه الموافق 4/1/200م وقد نعاه
ديوان رئاسة ديوان صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل
نهيان رئيس الدولة وبكته الأمة وأهل الأدب والعلم ومما جاء
في نعيه ..
لقد ترك سلطان العويس وراءه إرثا مشرفا من
أعمال الخير والبر ستبقى ذاكره خالدة إلى الأبد وماثلة على
الدوام في نفوس أبناء الوطن وحافز لهم للبذل والعطاء من
أجل بلدهم و أهلهم .
رحم الله الفقيد العزيز و أسكنه فسيح جناته
وألهم ذويه و أبناء بلده ومحبيه من أنباء الأمة العربية
الصبر والسلوان و إنا لله و إنا إليه راجعون .
صدى وفاته:
استقبل مثقفو الإمارات هذا النبأ الحزين ببالغ
الأسى والآسف مع الدعاء بأن يتغمد الله الفقيد برحمته وهذه
الكلمات بعض مما قيل فيه ..
قال فيه معالي الدكتور عبد العزيز الشرهان :
مآثر في التعليم والثقافة ستظل محفورة في ذاكرة الأجيال .
وقال عبد الحميد أحمد أمين عام جائزة سلطان
العويس الثقافية : رحيل سلطان بن العويس خسارة كبيرة لدوله
الإمارات ولا يعوض , كان مثالا في النبل والبصيرة والخير
ومثالا ساطعا لأبناء الإمارات في شمائله الحسنة وحبه للخير
ومواقفه واجتهاده للإمارات .
وقال الدكتور محمد المطوع عضو مجلس أمناء
الجائزة : وفاة سلطان بن على العويس تشكل خسارة لا يمكن
حسابها فهي خسارة للحياة الثقافية على مستوى الوطن العربي
بشكل عام والساحة الثقافية في الإمارات بشكل خاص حيث انه
أحد المساهمين الأساسيين في الحياة الثقافية على طول فترة
حياته .
وقال حارب الظاهري رئيس الهيئة الإدارية الاتحاد
الكتاب في أبو ظبي : برحيل الشاعر سلطان العويس لا يسعنا
إلا أن نتقدم بعميق مواساتنا إلى أسرته وذويه و إلى أسرته
الكبيرة المتسعة في الوطن العربي شعراء و أدباء و كافة
رموز الوطن كونه رحمه الله أحد هذه الرموز التي أعطت
الكثير للأبناء و للأجيال القادمة , ثم يقول : لم يبخل
سلطان يوما بماله وبفكره فاستطاع أن يستحوذ على إعجاب
الجميع فرحمه الله , له بريق خاص ومن النجوم النادرة جدا .
وما اكثر ما قيل فيه من كلمات معبرة ومن رموز
الثقافة على امتداد الوطن رحمه الله وأسكنه فسيح جناته
.
|