:: الصفحـة الرئيسية > شخصيات في الذاكرة

شخصيــات في الذاكــرة

 

الشيخ راشــد بـــن سعيــد آل مكتوم

مدرسة .. تجاوز منهاجها زمان ومكانه

      

  • محمود إسماعيل بدر:

الحديث عن صاحب السمو المغفور له بإذن الله تعال الشيخ (( راشد بن سعيد آل مكتوم )) حديث يفيض ويطول ... فهو المفكر عالي المستوى .. وهو صاحب المواقف الإنسانية المرتبطة بجذوره الإسلامية والعربية .. كما كانت له قدرة فائقة على متابعة الأحداث لا سيما وأنه كان في حياته من رجال السياسية الذين سطو أسماءهم في سجل الخلود, ومن الوطنيين العظام الذين قادوا بلادهم إلي مراقي العزة والتطوير والتحديث ..  ويعد تأسيس الإمارات العربية المتحدة في العام 1971م من أعظم الإنجازات التي يسجلها التاريخ لكل صاحبي السمو الشيخ((زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة ((حفظة الله ورعاه )) وصاحب السمو  راشد بن سعيد آل مكتوم الذي رحل دنيانا مساء السابع من شهر أكتوبر من العام 1990 م.

 

وإذا أبحرت في جنبات  حياته الإنسانية والأخلاقية وارتباطها بالمجتمع والإنسان , والبيئة والأحداث , ستكشف أن رحلته كانت حافلة بالكفاح , وتضم الكثير من المآثر والعبر التي يمكن الاستفادة منها  لتكون نبراسا لشباب المستقبل وهادياً ومرشدا لهم ورمزاً من رموز النهضة في هذه البقعة الصغيرة من العالم . وعلامة مضيئة في سماء الإمارات .. لقد عرف عنه تفانيه في أداء الواجب 00 حتى ليصعب عليا الفصل بين راشد الإنسان وراشد الحاكم وراشد دبي وراشد الاتحاد، فهي سلسلة متصلة من الأفعال، خيوطها متشابكة متداخلة ، وكلها تمثل عناصر شخصية واحدة 00 إن حجم التحول الذي شهدته إمارة  دبي خلال سنوات حكمه ،يقترب في بعض صوره من (الندرة) لأنه تمكن من خلال عقود قليلة من تحقيق ما تصبو إليه العديد من الدول الكبرى ،لأنه كان من أشد المؤمنين بمبدأ(الشورى) ، ولهذا وذاك نجح في الإسهام في مسيرة التنمية و النهضة الشاملة في بلده 00 حينما مد يدي التعاون و الصداقة إلى أيدي صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ، وإخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات ، ليعيش أبناء اليوم في دولة الأصالة و المعاصرة والريادة في البناء والتحديث واحترام الإنسان وحقوقه وإنسانيته بالدرجة الأولى 00 فقد اعتبر العمل الديمقراطي والشورى في الدولة رافدا من روافد نهضة الأمة العربية ، فقال في تصريح عام 1976م(( أن مبدأ الشورى هو أساس كل عمل ديمقراطي ، كما أنه من أسس تراثنا وعقيدتنا الإسلامية التي تدفع الجهود الوطنية في البلاد نحو المزيد من العمل والنجاح ليس لصالح أبناء الإمارات فحسب ، بل من أجل تدعيم الأمة العربية ووحدة الصف العربي في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية)).

 

·         الإنسان والحاكم : 

الشيخ راشد هو ابن سعيد بن مكتوم بن حشر بن مكتوم(الأول) بن بطي بن سهيل الفلاسي ، وينحدر آل مكتوم من قبيلة بني ياس ، وهي من القبائل العربية الكبرى التي ظلت تلعب دورا رئيسيا في الحياة السياسية و الاجتماعية في البلاد على مر العصور.

 ينتمي آل مكتوم إلى أحد أقسام هذه القبيلة هو( آل بوفلاسة) و إليهم يعود الفضل في استقرار دبي منذ أن تولى الشيخ مكتوم بن بطي الحكم فيها العام 1833م ، ليصبح بذلك أول حاكم لدبي من عائلة آل مكتوم. خلال ذلك تعاقب على حكم دبي عدة شيوخ من آل مكتوم ، حتى تولى راشد سدة الحكم ، وفي عهده شهدت  الإمارة ازدهاراً لم يسبق له مثيل , بعد أن استطاع أن ينقلها من مدينة تعيش على اقتصاد الكفاف إلى حاضرة تنعم بالوفرة والرخاء وعوامل التطور والتحديث مع الاحتفاظ بعناصر الأصالة والقيم العربية والإسلامية ,  وقد استطاع بفضل سعة رأيه, وحنكته , وأن يتجاوز الصعاب ويقهر التحديات التي واجهته طوال فترة حكمه التي امتددت من العام 1958 وحتى العام 1990م.    

 

  • جدية والتزام :

 في صغره نهل الشيخ راشد تعليمه من (كتاتيب ) الدولة التي كانت بمثابة معاهد الدراسة الوحيدة آنذاك , واتقن  فهم علوم الفقه واللغة العربية , وزادت معارفه في المدرسة الأحمدية , حيث درس العلوم والتاريخ والحساب والجغرافيا .

 وتزامن ذلك مع إتقانه لمفردات وعناصر رياضة الصيد بالصقور , التي علمته الشجاعة وركوب الصعاب , وعشق حياة الصحراء, حيث تهيأت له فرصة ثمينة لمرافقة والده والاستفادة من تجاربه الحياتية وأسلوبه في اتخاذ القرارات الصعبة , إلى جانب حضوره الدائم لمجالس أبيه والاستماع إلى ما كان  يدور فيها من نقاش ومحاورات في شتى المواضيع , ومن ذلك اكتسب العديد من صفات والده. وقد ساعده ذلك في ما بعد في إدارة شؤون الإمارة . وربما كان العام 1983م, هو عام الكشف الحقيقي عن شخصية و جرأته في اتخاذ القرار  بعد أن عرف  بين الناس بلقب

( الشاب الجاد )

و ما تبع ذلك في الفترة من أواخر ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي ، وهي سنين القحط التي شهدت الحرب العالمية ، وهنا بدت قدراته في إدارة شؤون الحكم أكثر وضوحا إبان الحصار الاقتصادي الذي فرضه البريطانيون على دبي ، حتى لا تستطيع إقامة التبادل التجاري مه إيران التي كانت تساند دول المحور في تلك الحرب ، و ما كان منه لمواجهة هذا الموقف إلا أن سعى لتوفير المواد الغذائية الأساسية لرعاياه و بأسعار تتلاءم مع المستوى الاقتصادي للناس في ذلك الوقت .

الأمر الذي اكسبه شعبية كبيرة بين الناس لمقدرته على تجاوز الأزمة و عدم الرضوخ لرغبات الآخرين  ، أما مجلسه فلم يقل أهمية عن مجلس أبيه ، فقد كان من خلاله يحرص على الاستماع للمتحدثين دون أية فوارق أو مجاملات ، مما كان يشجعهم على الإدلاء بآرائهم بحرية تامة ، و قد اتسمت مداولات و محاورات مجلسه اليومي بالأريحية في حل المشكلات و القضايا الاجتماعية و العمرانية و الإنسانية التي تهم الناس بعامة ، وقد وصف ( جريم ولسن ) مجلس دبي بأنه كان تقدمياً ، ولعب دوراً مهماً في تعزيز التنمية في الإمارة .

ويتضح من ذلك أنه لم يكن ليفرض على الآخرين آراءه بل اتسم على الدوام بروح المشاورة ، يستنير برأي أهل الخبرة و النصح للعمل بمشورتهم .

بعد توليه رئاسة مجلس الوزراء في الدولة في العام 1979م ، أكد على اهتمام حكومته بالتعليم باعتباره اللبنة الأساسية في خلق التنمية البشرية و بناء مجتمع متحضر قادر على مواجهة التحديات .

إلى جانب تأهيل كوادر وطنية قادرة على المشاركة في صنع القرار و العمل ضمن منظومة النهوض بالبلاد بشكل عام .

 

  • الديموقراطية .. خدمة الشعب :

 

لقد كان الرجل و من خلال تقلده للعديد من المناصب و منها منصب ( نائب رئيس الدولة ) و ( رئيس مجلس الوزراء ) يضع نصب عينيه فلسفه بسيطة في إدارة  شؤون الحكم ، فقد كان يجمع بين النظرة التقدمية الواعية و حصافة التاجر و كانت له ((رحمة الله )) رؤيته الخاصة لمفهوم الديموقراطية تبدو من قوله : (( إن مفهومنا للديموقراطية هو خدمة  أبناء شعبنا ، و إعطاؤهم الفرصة الكاملة للمشاركة في بناء بلدهم و الكل سواء )) .

و قد كرس هذا الفهم المتقدم للعمل طابعاً مميزاً للعلاقة بين الحاكم و المحكوم ، فلا غرو أن كان أفراد الشعب على اتصال مباشر بحكامهم يعرضون عليه مظالمهم و همومهم و تطلعاتهم ، وكان يصغي إليهم بقلب الإنسان و ليس بقلب الحاكم .

 

  • البساطة و التواضع :

ربما يكون أهم جانب في شخصية هذا الرجل الفريد ، هو بساطته و تواضعه الشديدان ، وهما خصلتان استلهم منهما أسلوبه في إدارة شؤون الحكم ـ و تمثل هذا التواضع في أنه لم يكن يدعي عصمه من الخطأ ولا تكبراً و ترفعاً يبعده عن رعيته  ، فقد كان يقول :

(( إننا ندعو المواطنين إلى التعاضد و التماسك و التعاون مع المسؤولين على أساس المصارحة و الصدق في القول ، فنحن لا ندعي العصمة من الخطأ ، إذ أن شعارنا الأول في تحمل المسؤولية هو المزيد من العمل المنتج الهادف ، و من لا يعمل هو وحده الذي لا يتعرض للخطأ )) .

و من هنا كان شديد الاعتزاز بقيمة الأخلاقية  ، حريصاً على أن لا يؤثر ظهور النفط وعائداته المالية على أخلاقيات أبناء الشعب وربما يكون ذلك واحدا  من الأسباب التي كانت وراء قصة نجاح دبي في التجارة و تنشيط الحركة الصناعية و خلق الأجواء الملائمة للانتعاش الاقتصادي فهم الذي كان يرفع أمام الجميع شعار : ((عمل جاد وسهر متواصل و إحساس  متفاعل مع أماني الشعب و آماله في حياة أفضل و مستقبل زاهر ))  

الذي يقرأ  سيرة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم  الإنسان...  يجد أنه كان يتمتع بحس وطني نادر, ودراية تامة بشؤون الاقتصاد , لا يستطع إلا أن يبدي  إعجابه بنظرته البعيدة التي سبقت زمانه , فقد قال قبل ثلاثة عقود مضت انه لم يفكر يوماً ولن يفكر في استثمار أموال الدولة خارج الدولة , ولم يكن لينتظر الحدث ليقع حتى يبدأ في تحليل أبعاده , وانما كان  يتخذ القرار ويشرع في تنفيذه على الفور , حتى قبل أن يجد نفسه مطالباً بالالتزام بالأعراف الدولية لا سيما بعد أن أصبح لدبي شأن هام على الساحة الدولية . وفي ذلك يقول العميد الدكتور محمد حافظ عبده الرهوان في كتابه ( الاستراتيجية الأمنية التنموية للشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ) (( إن من أهم أسباب نجاح إنجازات  راشد التنموية أنه كان يؤمن بذاتية التنمية أسلوبا و منهاجاً , أي أنه كان يؤمن بأن لكل بلد موقعه وموارده وطاقاته التي تمكنه من النهوض وتفرض عليه خطة معينة للتنمية تتفق وظروفه الخاصة وإمكانيات أبنائه , مقنعا في ذات الوقت بضرورة الاستفادة بتجارب الآخرين )) .

 

 *رجل استثنائي: 

إذا كان لرجل واحد فضل على مدينة بأسرها فذلك الرجل هو صاحب السمو الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم  .. , وهنا ألا يحق لنا القول (( أن وراء كل مدينه عظيمة رجل عظيم )) نعتقد وبعد قراءتنا لملامح من حياته ... أن هذا الرجل كان يملك العديد من المآثر التي أهلته لكي يكون مختلفتا  واستثنائياً , فهو من تلك الفئة من الرجال التي لا تملك إبداء الإعجاب لهم واحترامهم .. فقد كان رغم المكانة والثراء , قنوعاً زهداّ في الحياة و زاهداً في مظاهر الأبهة والدعة , تقيا من غير تصنع , بسيطاً من غير تكلف . فقد كان يغضب أن تكلف الناس في التعامل معه . أما بساطته المدهشة فقد تجلت في أنه ظل  يعيش طوال حياته بين أفراد الشعب دون حراسة وبدون أية ( بروتوكولات ) من تلك التي تضع الحواجز بينه وبين الآخرين . وقد قال معاصروه : (( انه كان يكره ( البيروقراطية ) ويمقت التعقيد الإداري )).  وقد نحج في نجح في تخطي كل هذه الاصطلاحات من خلال  سياسية الباب المفتوح .

 

*تقدير الأدب والأدباء:

 لقد كان مهتما بالثقافة والفكر و الأدب من الطراز الأول , لذا كان مهتما بأن يثقف الناس أنفسهم , ومن خلال عمله الدؤوب تمكن خلال سنوات قليلة من إنشاء مبنى  مكتبة دبي العامة الجديد ة في العام 1963م. لتكون بذلك أول مكتبة في إمارات ساحل عمان المتصالحة , فقد عرف عنه تقديره للأدب والإبداع والمفكرين والعلماء . وقد وصف ( ما نمال جيثاناند بانكوليا )  رئيس الجمعية الهندية في دبي الشيخ راشد بأنه رجل الأفكار والمبادئ والانفتاح على الفكر العالمي . مقدراً في الوقت ذاته إبداع الحضارة الإسلامية في كافة جوانبه . وفي هذا السياق فقد أدلى بحديث إلى الصحفي  (دينيس دوبرلي )  من صحيفة (مود رن اوستن ) الدنماركية حول تأثير الحضارة الغربية على المجتمع الإمارات , وقال في تصريحه (( إن دولة الإمارات دولة محتفظة على مبادئ العروبة والتراث العربي الأصيل .

والدستور ينص على أن الإسلام الحنيف  هو دين الدولة , ونحن جميعا ندين بهذا الدين . ونعمل في إطاره, ومما لاشك فيه أنه تصلنا بعض الظواهر المختلفة من الغرب في مجالات الحياة العديدة , ولكن التراث المجيد الذي نتمسك به هو خير مانع لأي شر قادم , والبلاد ترحب وتتعاون مع  الخير وتترك الشر استجابة للتاريخ وللتقاليد العربية والعقائد التي نؤمن بها والتي تقبل ما يفيد وتلفظ ما لا يتفق نع حياتنا )) 

 

*مثال الحكمة : 

الشيخ راشد المولود العام (1912) كان أيضاً مثالاً للحكمة والعقل والرزانة , ومثالا للصدق والإخلاص والوفاء , باعتباره الأنموذج  للحكام العادل الواعي المدرك لخصائص الأمم والحضارات , فقد كانت حياته سلسلة متصلة من العمل المتواصل الذي لا يهدأ من أجل خدمة أبناء الوطن , وقد كانت عيناه دائما على دبي الوطن الصغير داخل الوطن الجميل الكبير الإمارات , فقد رآها وهي تكبر أمامه حجرا على حجر وشارعا شارعا وبناءً بناءً ... حتى بدت تزهو حاملة لقب (فينسيا الشرق ) , فقد طبع الرجل بصماته على البيوت والمصانع والمستشفيات والمدارس والأبراج والميادين , والمتاحف والأماكن الأثرية, حيث الاهتمام بالجانب التاريخي و تراث الأمة .. لقد تجلت قيمته ومكانته في إنسانيته , فهو مثال للإنسان المسلم العامل بمبادئ دينه الإسلامي , والتي صنعت منه رجلاً ممتازاً بكل المقاييس , والمتأمل عن قرب في حياته تجلو له صفحة رائعة من الإنسانية فقد كان مثال الزوج والأب  والجد , والإنسان الذي لم تفته أدق التفاصيل المتعلقة بالناس , فقد عمل على تأمين (المسكن الصحي ) زهيد الأجر لذوي الدخل المحدود من العاملين في دبي , ومن اللافت للانتباه أن يقوم بنفسه بالإشراف بين فينه و أخرى على عملية البناء لكي يطمئن نفسه إلى سرعة الإنجاز من أجل راحة الناس . وقد أمر سنه 1984م , بتخفيض قيمة الإيجارات بنسبة 15% هذا بالإضافة إلى توزيع المساكن الشعبية على المواطنين مجاناً. وكذلك اهتمامه بدور المرأة من قوله (( لاشك أن للمرأة التي تشكل نصف المجتمع دوراً كبيرا في بناء مجتمعها , ويبدأ هذا الدور ببنائها المجتمع الصغير وهو الأسرة , ولكي تكون المرأة قادرة على القيام بدورها فان واجبنا أن نتيح الفرص أمامها لبناء نفسها , وذلك بان نكفل لها التعليم وكل الحقوق التي منحها إياها ديننا الحنيف ))  وفي مقابلة صحفية معه , أجاب الراحل عن سؤال حول مدى اشتراك المرأة الإماراتية في الحياة الاجتماعية والسياسية في الدولة فقال ((أن الدولة تقوم بتوفير التعليم للمرأة وتعمل على استقرارها ورعايتها في مختلف المجالات التعليمية والصحية  والإنسانية  , وإذا ما تمكنت من تحقيق التعليم والخبرة فهي ولا شك ستواصل مساعدتها للرجال والوطن في جميع المجلات ,  وليش غريباً أن يأتي اليوم الذي تساهم فيه المرأة في دولة الإمارات بما يساعد على ازدهار وتقدم البلاد في مختلف المجالات الاقتصادية و الاجتماعية والسياسية .

 

صناعه النهضة المحلية: 

النهضة في دوله الإمارات ما هي إلا مساهمة في صناعه  نهضة  الوطن العربي ،  هكذا كان مفهومه للتأكد على انتفاء الجغرافيا بين الدول الوطن العربي الكبير, فقد حرص على أن تكون صناعة النهضة المحلية مرتبطة بدفع عجلة الاقتصاد العربي إلى الأمام ,فأعلن أمام المؤتمر الخاص بوزراء الإسكان والتعمير العرب الذي انعقد في دبي العام 1975م, أن المؤتمر مدعو للعمل والتعاون وتبادل الرأي والخبرة من أجل ازدهار الوطن العربي بكامله , وأن التاريخ لأمتنا العربية أنها أمه بانية ما وطئت أرضاً  إلا وحل معها الرخاء وإرساء العمران من اجل حياة رغيدة لكل إنسان عربي .

 

*لؤلؤة الخليج: 

لقد كان الراحل متفتح العقلية , وعينه لم تكف عن التطلع على الدوام إلى المزيد  من الإنجازات والبناء وتعمير دبي وجعلها إطلاله حضارية , مع مزيج من أصالة التراث وعراقة الملمح الإسلامي عمرانياً وإنسانياً , وقد عمل بجد و إخلاص لكي تكون هذه المدينة   مركزاً تجارياً لمنطقة الخليج بأسرها , فقد ظلت وخلال السنوات التي أعقبت انهيار صناعة ومهنة الغوص واللؤلؤ وما رافقها من كساد اقتصادي محتفظة بوعيها التجاري , غير أن اكتشاف النفط فيها بكميات كبيرة وتجارية هو الذي أحدث النقلة الهائلة , والى جانب تفكير الراحل ومهارته وحسن إدارته و تصوارته البعيدة استثمرت دبي مدا خيلها المالية من أجل البناء التحديث ورقي الإنسان , حتى غدت اليوم واحة رائعة , ويبدو فيها (خور دبي)  شرياناً  حياً لتطوير التجارة والصناعة والسياحة , وقد استثمر الرحل هذا الخور لتقديم المزيد من التسهيلات لإنعاش  القدرات الاقتصادية , وعمل باستمرار على أن يظل الخور نظيفاً خالياً مما يعيق حركة الملاحة فيه , إلى جانب بناء جسر المكتوم ذي الاتجاهين الذي يربط بين خور دبي وبرها للربط بين طرفي المدينة, حيث يسجل هذا الإنجاز , لفكر الشيخ راشد  وبعد نظره في تحسين أحوال مدينته و أهلها وكان ذلك العام 1962. هذا إلى جانب توجيهاته ببناء ميناء راشد, والميناء الصناعي بحبل على وبناء (جداف دبي ) وهو جزء من خور دبي , وقد افتتح المشروع العام 1987م , لغايات إصلاح قوارب الصيد وصيانتها ,  وقد اصبح فيها بعد قادرا على استيعاب سفن الإمداد واليخوت الصغيرة وسفن البضائع والسفن العاملة في مجال النفط . أن البصمات التي تركها الراحل الكبير على ملامح دبي , تبدو اليوم ظاهرة للعيان  , فهي تجمع ميزتين الأولى كونها مركزاً تجاريا معاصراً , والثانية المحافظة على الأصالة والتراث . من حيث الاهتمام بالعمران التقليدي في بعض المناطق , وأيضا تعزيز السياحة التراثية من خلال هذا المزيج الفريد للمدن ... إنها بالفعل مدينة مزجت بين تقنية العصر وبساطة وعراقة الزمن القديم . ولا سيما أبراج التهوية العتيقة التي برع في هندستها  إنسان دبي القديم حينما لم تعرف تقتنيه التكييف طريقها إليه آنذاك . 

 

حتى غدت اليوم هي صانعة الأحداث . وبات لها حضورها الفاعل في مختلف بلدان العالم . إن كل هذه البصمات الرائعة التي تركها الراحل ما زالت مؤشراً يؤكد على أنه واحدا من الرجال الذين صنعوا تاريخ بلدهم با خلاص وتفان و أمانة .

 

  • نهاية رحلة .

 

كان الشيخ راشد شخصية عامة محبوبة , جلبت على روح العمل وفعل الخير والعطاء المستمر , فاكتسب بذلك حب الجميع , ولما بلغ الثامنة والسبعين من عمره , داهمه المرض . الذي لم يمهله كثيرا , وفي الساعة العاشرة من مساء يوم الأحد الثامن عشر من ربيع الأول العام 1411ه الموافق السابع من أكتوبر العام 1990م, أسلم الروح إلى بارئها بعد سنوات طويلة حافلة بالإنجازات والتحديات والعطاءات اللامحدودة.

وقد رثاه صاحب  السمو رئيس الدولة حفظة الله (( كان رجلا بارا من رجالات هذا الوطن وفارسا من رواده وحدته وبناة حضارته, وإذا كان قد انتقل إلى مثواه الأخير فان ذلك لا يعني أنه يغادر ذاكرتنا وحياتنا , بل سيبقي رحمه الله خالدا في القلوب وفي المقدمة بين الذين يزخر تاريخهم بجلائل  الأعمال )).

 

على أن رد الفعل الاستثنائي  لوفاته جاء من مقر منظمة الأمم المتحدة , فقد كانت الجمعية العامة للأمم المتحدة منهمكة في مداولات حول اقتراح يتعلق بفلسطين عندما بلغها نبأ الوفاة , فوقف جميع الحاضرين في الجمعية العامة ومجلس الأمن دقيقة حداد على روحه الطاهرة . وقالت صحيفة الاتحاد في عددها الصادر يوم 8 أكتوبر 1990 م . انه بوفاة الشيخ راشد تنطوي صفحة مجيدة من تاريخ إمارتنا الحافل بالأمجاد   التي سجلها قادته بوحدة صفهم وسداد رأيهم وصدق عزمهم وقوة عزيمتهم .كما قالت (( لقد كان راشد رحمه الله في المقدمة  مع إخوانه من البناة الأوائل لحاضر الإمارات ومستقبلها , مستلهما من تراثها الأصالة ومن ماضيها القدوة , فسار هو و أخوه صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة على هدى الأجداد يعبران جسر التواصل , زاده الأمل ورفيقه الطموح وسلاحه الاعتماد على الله وقوة الإرادة وهمة الشعب )) أما صحيفة البيان فقد علقت على ما حدث في الأمم المتحدة بعد ذيوع خبر الوفاة قائلة (( لم يكن غريبا أن يقف مندوبو دول العالم بالجمعية العامة للأمم المتحدة حدادا على رجل مثل الشيخ راشد , فهذا العزيز الذي فقدناه استطاع بعرقه و كفاحه أن ينتزع احترام العالم بالنهضة الشاملة التي زرعها في دبي لتصبح اليوم  واحدة من المدن المتطورة المعروفة عالميا بفضل خدماتها وحضارتها وموقعها المتميز )) .

 الحنين إلى الماضي عند حمد بوشهاب

 

  *بلال البدور :

 

المرحوم الشاعر حمد بن خليفة بو شهاب ولد في الثلاثينيات القرن الماضي , تلك الفترة التي كانت الحياة تختلف تماما في جميع جوانبها عن الحياة في أيامنا المعاصرة . كما يختلف حول تقويمها كذلك الكثير من الناس . عندما نحاول عقد موازنة بينها وبين واقعنا المعاصر نكاد نذهب في طرق متقاطعة أحيانا ولكل وجهة نظره المحترمة .

 

الرائي لتلك الفترة لا يبتعد عن شخصية من هذه الشخصيات إما محب لتلك الفترة يرى فيها الأفضلية المطلقة فلا يقبل أن يقارن بها حياة جديدة مهما  كانت ظروفها .

وإما قال مبغض لها فإنه يرى كل من عداها أفضل منه . وإما محب للاتحاد حريص على إبراز دوره وأثره  في التحولات الاجتماعية الايجابية فيرفض كل الذي كان قبل قيام الاتحاد ولا يرى له ميزة مطلقا .و إما متخوف على الاتحاد ، يخشى على المنجزات من تفريط الأبناء فيذكر بسلبيات الماضي و يفضل الحاضر عليه .

وهناك فريق آخر ينظر إلى العصريين بنظرة صادقة مع النفس يذكر إيجابيات و سلبيات كل منهما ، يتذكر شظف العيش و قسوة الحياة من الماضي مقابل الاتكالية و الأنانية .

ويعقد مقارنات ليعطي كل عصر ما له وما عليه . و نتفق مع هذا الاتجاه فلقد قدر لنا العيش في فترة ولو كانت يسيرة من ذلك العصر الماضي وننعم بالعصر الحالي و ندرك تماما ما كانت عليه الحال وما آل إليه العصر .

و الشاعر حمد بو شهاب محب للاتحاد و أبناء الاتحاد . شدا كثيراً بقادة الاتحاد وبرئيس الاتحاد في قصائد متعددة ركز على ما تحقق من إنجازات في ظل الاتحاد و بجهود صاحب السمو رئيس الدولة في ذلك حيث يقول :

غرست يداك الخير في أرجائها

                                                     فنما بهــــا زرع و أثمر مـــرق

وأحلت بلقعها اليباب حدائقـــا

                                                     بكرومها و نخيلها تــتــألـــــــق

وفي موقف آخر يذكر ما قدمه صاحب السمو رئيس الدولة من جهود بناءه في ترسيخ دعائم الاتحاد و بناء دولته العصرية :

ولك اليد البيضاء في تاريخنـــا

     أنقـــى من الماء الزلال و أنصـــــــــــع

وحدتنـــا في دولــة عربيــــــــــــة

    وبأمنهــــا و برخائـــها نتمــــــــــــتـــــــــــع

حييــت كم لك من يـد معطاءة

     سخرتها في ما يـــفيــــــد و ينفــــــــــــــــع

من حول الصحراء بعد محورها

    روضــــــــــــاً اريضــــا بالازهار تمــــــــــــــــــرع

فغدت تموج مروجها ووردها

     ونخيـــلها وثمـــارهـــــــــا المــتــنــــــــــــــــــوع

 

و في قصيدة أخرى يمتدح رئيس الدولة ويعدد مآثره التي تترجم التحول الذي حصل في الحياة العامة بمجتمع الإمارات .

من وحد الشمال بالجهد العظيم ومن

                            أعطى الجزيل ولم يمنن بما يهب

ومن بنى دولـــة بالعــــــدل قائمــــــة

                            يحدو بها الحب لا الهندية القضب

من حول الأرض من وحل ومن مدر

                            رمالها بوقــــود الشمــــس تلتهــــــب

إلى نخيـــــــل و أشجار و فاكهــــــــــــه

                            قطوفها التين و الأعناب و الرطــب

ويطلب من القادة العرب و الشعوب العربية إن يعوا درس الإمارات ووحدتها و التي تعد التحول الكبير الذي نفاخر به مذكرا بجهود صاحب السمو رئيس الدولة :

 

أطلوا على ماضي الإمارات قبله

                                             وعودوا إلى التاريخ فهو شهيد

ترون انقساما واختلافا وفرقة

                                 أهاج لظاها جاهل ورشيد

فوحدها بعد التمزق والتقي

                 على حبه كهل لها ووليد

 

ورغم أن حمد قد تغنى بالاتحاد وللاتحاد و أشاد في شعره بالإنجازات التي تحققت إلا انه عندما يخلد إلى نفسه, لا ينسى إيجابيات الماضي . ففي إحدى قصائده الوجدانية التي خلى فيها بنفسه وعاد بالذاكرة إلى عهد الشيبة والصبا يتذكر إيجابيات الماضي , ويبرز الو ضمات الدقيقة التي لم يعد يذكرها الكثيرون , والتي  يجهلها بالطبع أبناء الأجيال الجديد الذين لم يعيشوا تلك الفترة أو لم يقدر لهم أن يسمعوا عنها من روايات أبناء ذلك الجيل المحايدين .  وقصيدة (سلام على الماضي) تؤكد الحنين الذي كان رفيقا لحمد بو شهاب إلى ذلك الزمان الجميل . قالها حمد قبل عشر سنوات من رحيله. وكأنه شعر بالنهاية فتلاقت ذكريات الماضي بالاستعداد للرحيل عود على بدء, وتسليم بأن البساطة في الحياة مستحبة على الإنسان أن يرتبط بالجذور .

فماذا عن عهد الشيبة لدى بوشهاب ,وما الذي يكتنزه من حنين إليه يقول حمد بوشهاب عن ذلك العصر :

 

زمان تقضي والأماني مقيمة

                               تذكرنا لهوا بريئا وملعبا

 

فهو يتذكر البساطة و أيام اللهو الذي يؤكد أنه لهو بريء  , ويذكر مرابع الطفولة و ملاعبها التي ضمنت أبناء الجيل :

وعيشا تقبلناه بؤسا ونعمة

                                     وحبا تقاسمناه وردا ومشربا

 

يؤكد أن العيش كان بين بؤس وشدة و قساوة , وكذلك  نعمة وهناء وراحة بال يحيط بها في كل طرف الحب المتقاسم بين الناس :

 

وأخوان صدق ما أحيلي حديثهم

                                    وأشهاه في سمع الندي و أعذبا

 

 

كان الرفاق صادقين صدوقين في علاقاتهم , وجل حديثهم الشعر والمفردات التي يطرب لها الإنسان :

رعى الله ذياك الزمان وأهله

                  وأن لم نجد فيه ثراء ومنصبا

 

أن ذلك الزمان رغم أن الناس  لم يجدوا فيه المال والجاه , ولم يتوفر فيه ظروف الحياة الجميلة للجميع إلا أنه زمان محبب إلى الإنسان , ولدى الشاعر على وجه الخصوص . فما الذي أعبه فيه ؟ لقد وجد الشاعر محاسن لذلك الزمان حصرها فيما يأتي :

 

1-      ففيه الولاء الحق للدين والتقى

                                   وفيه الوداد المحض والصدق والابا

 

محبة الدين والانتصار له والتقوى التي كانت تحرس القلوب والأفعال . وفيه الخصال الكريمة والود المتبادل والصدق والأنفة .

 

2-      مجالس آداب يتوجها  البها

                           حياء فلا تلقى السفيه المذبذبا

ولا باخلا بالمستطاع وانما

                              بها الوجود مقرونا بأهلا ومرحبا

إذا مر بيت الشعر يحمل حكمة

                           تبناه ذو فهم فثنى وعقبنا

وشاد بذكر الشعر والشاعر الذي

                             تخيره لفظا ومعنا ومأربا

 

يذكر هنا حالة من التركيبة الاجتماعية لمجتمع ذلك الزمان وهي المجالس التي كانت ملتقى الناس وأنديتهم , ويشيد بالقيم  التي كانت سائدة بها الآداب والحياء , والبعد عن السفه وسوء الخلق , وأن أولئك الناس كانوا من التواصل والتراحم حتى الواحد منهم يجود بما يتوفر لديه , ويبذل مرحبا وفرحا. وأن حاضري تلك المجالس محبوب, يتناقلون القصائد ويكرمون الشاعر ويجلونه بينهم

 

               

          3 – فاما تعالى الذكر لبى جميعهم

                                                        نداه أدوا ما عليهم توجبا

شفاهم ولم تبرح الشكر لحظة 

                                 وتسبيحهم فيض القلوب تأوبا

سرائرهم من كل غل نقية

                               صفات كنبت الروض رصعه الندى

  فضوع آكاما و سوحا وسبسبا

 

الارتباط بالعقيدة والدين في نفوس الناس , ومحافظتهم على الصلاة والقيام بأمور دينهم   . وعلاقتهم الوثيقة بالله شكرا وتسبيحا . يحلمون قلوبا نقية وبعيدة عن الغل والبغضاء, يبغون التقرب للحق ويتحر ونه .

 

4-على فطرة الله السنية نهجهم

                                              وما اتخذوا من دون ذلك مذهبا

لهم شيم يشدو  لها كل زائر

                         وكانوا على الأرحام أحنى وأحدبا

يراعون للجيران حق جوارهم

                         وما انفك فيهم منبع الخير صيبا

تعاونهم لم  تنكر العين فضله

                    وكانت صدور القوم بالعطف أرحبا

 

يؤكد الشاعر هنا تبني القوم ذلك الزمان الفطرة ألا لهيه , واتباع السنة نهجا ونبراسا , ورفض ما سوى ذلك مذهبا ومنهجا في الحياة .

 

وكان نتيجة ذلك تلك الشم التي يفاخر بها من يأتي إليهم , والحنو  والعطف والتواصل مع الأرحام . ومراعاة حق الجيرة بين الجيران , والتعاون فيما بينهم , كل يعين صاحبه في أمور الحياة المختلفة .

 

        5- سعوا في سبيل العيش جدا وهمة

                                          فشقوا عباب اليم شرقا ومغربا

           يصدون منه موجة اثر موجة

                                      ويستخرجون الدر قسرا و إن أبي

           وما بسطوا كف السؤال لانهم

                                             يرون حلال الرزق بالكسب يجتبي

 

نخلص من ذلك أن حمد الذي عاش تلك الفترة وتحمل قسوتها وصعوبتها لم تلهه عنها وتنسيه إياها نعومة حياة اليوم ويسرها فهو دائم الحنين إلى ما الفته النفس ، يشعر بنشوة عندما يتذكر شيئاً من أحداث الماضي كلما مر به شريط الذكريات : فتلك الذكريات لها منظرها الذي تولى تاريخه ولكنه حاضر لا يغيب عن الخاطر تراه العين أمامها في كل حين .