|
تصوّر
الأمثال انعكاساً للنفس الإنسانية محاسنها ومساوئها، فهي تنتقل شِفاها على
ألْسِنة العامة من جيل لأخر، والمثل مثل النادرة، عبارة عن صيغة شعبية
موغلة في القصر، وعبارة مركزة ـ والأمثال مرآة النفس، وإذا أردنا البحث في
المثل الشعبي إنّما يعني البحث في حياة العامة من الناس على اختلاف نشاطهم
الحياتي وسلوكهم في تعاملهم وأخلاقهم وعاداتهم وتقاليدهم في الحياة، وقد
تعطي الأمثال الشعبية صيغة نابغة لطبيعة أبناء الشعب بما يمور فيه من
تيارات ظاهرة وخفية. وإنّ الأمثال الشعبية غالباً ما تنشأ من العادات
النابعة من نفوس أبناء المجتمع. تشير المظان التاريخية بأنّ أرض العراق هي
مهد الأمثال في التاريخ، حيث أشار مؤخراً علماء الآثار بأنّ مجموعات
الأمثال السومرية هي الأقدم في تاريخ الحضارة الإنسانية. 1
وللمثل معانٍ في اللغة العربية، فهو يعني الشَبيه
والمِثْل والقول السائر. قال الجوهري في الصِحاح: " ومَثَلُ الشيء أيضاً
صفته". 2، وقال ابن منظور في لسان العرب: " مِثْل كلمة تسوية. يقال : هذا
مِثْله وَمَثَلَه، كما يُقال شَبَهَه وشِبْهه. والمثل والمثيل كالمِثْل
والجمع أمثال، وهما يتماثلان". 3
كذلك ضرب الله تعالى الأمثال للناس فقال في سورة
العنكبوت:" وتلك الأمثالُ
نضربها للنّاس وما يعقلها إلاّ العَالمُون".
4 وكقوله الحق في سورة الزمر:" ولقد ضربنا للنّاس في هذا القرآن من
كل مثل لعلّهم يتذّكرون".
5
العناية بكتب الأمثــال
قبل أن نتناول الحديث عن أمثال الأم في كتاب أبي هلال
العسكري، لابد من أن نوضح بأنّ الأمثال قد نالت المولَّدة والعامية
والكناية منها عناية العلماء إبّان القرن الرابع الهجري، ونشير هنا إلى
طائفة من الذين اهتموا بهذا الضرب من التراث الشعبي، مثل حمزة بن الحسن
الأصفهاني والجرجاني والتوحيدي، كذلك أهتم الباحثون العرب في العصر الحديث
بدراسة الأمثال وألفوا كتباً عنها نشير إلى بعض منها وهي:
معجم الأمثال العربية القديمة لعفيف عبد الرحمن،
والأمثال والمثل والتمثل والمثلات في القرآن الكريم لسميح عاطف الزين
والأمثال في القرآن الكريم لمحمد جابر الفياض وفنون النثر في الأدب العباسي
لمحمود عبد الرحيم صالح وأشكال التعبير في الأدب الشعبي لنبيلة إبراهيم
ودراسة في المثل العربي المقارن، والأمثال البغدادية المقارنة لعبد الرحمن
التكريتي، والأمثال الشعبية في البصرة لعبد اللطيف الدليشي، والأمثال
الشعبية التي تخالف ما جاء في نصوص الإسلام وروحه لمحمد كامل عبد الصمد،
والأمثال الشعبية في قلب الجزيرة العربية لعبد الكريم الجهيمان، ، والأمثال
العامية لأحمد تيمور باشا، والأمثال الشامية ليسار عبيد، والأمثال الشعبية
الحلبية وأمثال ماردين للأب يوسف قوشاقجي، والأمثال العامية في نجد لمحمد
بن ناصر العبودي، والأمثال الكويتية المقارنة لأحمد البشر الرومي، وأمثال
وتعابير شعبية لسلامة عبيد، والأمثال اليمانية لإسماعيل بن علي الأكوع،،
والمثل المقارن بين العربية والأنكليزية لممدوح حقي، ومن أمثال العرب لمحمد
عبد الغني حسن، ومنتخبات من الأمثال العامية التونسية للطاهر الخميري،
والأمثال لأبو فيد مؤ...
العسكري وجمهرة الأمثال
يعد أبو هلال العسكري أحد الأعلام الذين برزوا في القرن
الرابع الهجري، وكانت له يد طولى في علوم اللغة، وهو مؤلف كتاب"
الصناعتين"، وديوان" المعاني"، وله نثر سائغ ونثر رائق، وآراء مبتكرة في
النقد والبلاغة العربية، إضافة إلى وضعه لكتاب: " جمهرة الأمثال"، وهو من
أصول كتب الأدب العربي، بما ضمّنه من أمثال عربية، وأخبار عن العرب في
الجاهلية والإسلام، إضافة لكونه من أطول كتب الأمثال نَفَساً، وأوفاها
شرحاً. وساق العسكري أمثاله منسوقة على حروف المعجم العربي، ولعلّه أول
منهج هذا المنهج من مدوّني الأمثال، إذا استثنينا حمزة بن الحسن الأصبهاني،
الذي ساق أمثاله على وزن" أفعل" على حروف المعجم أيضاً، وقد أراد أبو هلال
العسكري بعمله هذا في كتابه هذا" جمهرة الأمثال"، أن يُسهِّل على الباحثين
سبيل الاهتداء إلى ما يبغون من أمثال. وقد أفرد أبو هلال العسكري" للأم" في
كتابه الموسوم بـ : " جمهرة الأمثال" ثلاثة عشر مثلاً في
جزئيه الأول
والثاني.
الأم في الجزء الأول
ذكرت الأم في الجزء الأول بخمسة أمثال من الباب الأول
من كتاب العسكري تحت عنوان: " فيما جاء من الأمثال في أوّله ألف أصليّة أو
مجتلبة". وأول تلك الأمثال هو:" أم فرشت فأنامت". ويضرب هذا المثل للرجل
يبالغ في البر بالقوم، والعطف عليهم، حتى كأنه أم فرشت لابنها فنام وسكن؛
ومنه قول الشاعر:
وكنت له عما لطيفا ووالدا رهوفا وأما مهدت فأنامت
وحكى المؤلف قصة هذا المثل من أنّ: الخليفة الراشد أبا
بكر الصديق رضي الله عنه لما تشاغل بأهل الرِّدة واستبطأته الأنصار فقال:
كلفتموني أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوالله ما ذلك عندي ولا عند
أحد، ولكني والله ما أوتي من مودة لكم، ولا حُسنِ رأي فيكم، وكيف لا
يُحبكم! فواللهِ ما وجدتُ لنا ولكم مثلاً إلاّ ما قال طفيل الغنويّ لبني
جعفر:
جزى اللهُ عنّا جعفراً حين أشرَفتْ بنا نعْلُنا في
الواطئينَ فَزَلّتِ
هُمُو خلطونا بالنفوسِ وألجِئُـوا إلى حُجراتٍ أدفأت
وأكنّتِ
أبَوْا أن يملونا ولو أنّ أمنَّا تُلاقي الّذي يلقُونَ
منّا لملَّتِ
فذو المالِ موفُورٌ وكل مُعَصَّبٍ إلى حُجُرَاتٍ أدفَأت
وأظَلَّتِ 7
قال في المثل:" تنهانا أُمُّنا عن الغَيِّ وتَغْدُو
فيهِ"، وأنّه يضرب مثلاً للرّجل ينهى عن الشَّيء ويأتيِه. وأصله أنّ امرأةَ
كانت تُؤاجر نَفْسها، وكانت لها بناتٌ تخاف أن يأخذن أخذَها، فكانت إذا
غَدَتْ في شأنها تقول لهُنّ: احفظْنَ أنفُسَكُنَّ، وإيّاكُنَّ أن
يقربَكُنَّ أحد، فقالت إحداهُنَّ:" تَنْهَانا أُمُّنا عن الغَيِّ وتَغْدُو
فيه"، ومن هنا أخذ الشاعر قوله:
لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وـأتي مثْلَهُ عارٌ عليكَ إذا
فَعَلْتَ عظيمُ
ثم ذكر قول الشاعر:
لا تَلُمِ المَرءَ على فِعْلِهِ وأنتَ مَنْسُوبٌ إلى
مِثْلِهِ 8
ثم
أشار العسكري لمثل آخر عن الأم وهو: " وأخْسَرُ من حَمّالةِ الحَطَبِ". وهي
أُمُّ جميلٍ أخت أبي سفيان بن حرب، امرأة أبي لهب المذكورة في القرآن، قال
الشاعر:
جَمَعْتَ شتَّى وقَدْ فَرَقْتَها جُمَلاً لأنْتَ
أخْسَرُ مِن حَمَالَةِ الحَطَبِ 9
قال صاحب جمهرة الأمثال في مثل: " وأسرع مِنْ نِكاحِ
أٌمِّ خَارِجَة" بأنّها امرأةٌ من العرب، اسمها عَمْرَة بنت سعد بن
عبداللات الأنماريّة، كانت تذوق الرِّجال، فكلُّ من قال لها: خِطْبٌ، قالت
لهُ: نِكْحٌ، فرفع لها يوماً شخصٌ، فقيل لها: هو خاطب، فقالت: أتراه
يُعْجِلنا أن نَحُلَّ، مالهُ غُلَّ وَأُلَّ، أي طعُن بالآلة وهي الحَرْبَة،
وغُلَّ من الغليل، وهو حرارة الجَوْف من العَطَش والحُزْن، وقيل: وُضع في
عُنْقه الغُلَّ. والخِطْب: الخاطب والمخطوبة.
وذكر مؤلف الكتاب لأسماء نساء تشبه حالاتهنّ حالة أُم
خارجة، فإذا تزوّجت الواحدة منهُنَّ رَجلاً، فأصبحت عنده كان أمرها إليها،
إن شاءت أقامتْ، وإن شاءت ذهبتْ، ويكون علامةُ رِضاها للزَّوج أن تُعَالج
له طعاماً إذا أصبحت.10
أما في الجزء الثاني من" جمهرة الأمثال " للعسكري فجاء
المثل:" كُلُّ ذاتِ صِدَارٍ خَالَةٌ"، ويضرب مثلاً للرّجل يَغارُ على كلِّ
امرأةٍ، قريبة كانت أو بعيدةً. وأصله أنّ همّام بن مُرَّةَ الشَّيباني
أغارَ على بني أسد، وكانت أُمّه أَسَدِيّةً، فجعلَ يَسْبِي النِّساء
ويَخْطِبُهُنَّ، فقالت امرأةٌ منهُنَّ: أبخالاتِك تفعلُ هذا يا همّام؟!
فقال: كلُّ ذاتِ صِدَارٍ خَالَةٌ" يقول: النَّساء سواء ينبغي أنْ يُصَنَّ
كلُّهنّ، فلو تَجَنَّبتُكُنَّ لَتَجنَّبَتُ غيركُنَّ، فلم أُغِرْ أصلاً،
وذلك غيرُ ممكن؛ ثم صار مثلاً يُضربُ للرّجل يَمنعَ عن كلِّ امرأة.
والصِدَار: قميصٌ تلبسه المرأة، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:" أيُّ
شيءٍ خيرٌ للنِّساء؟ " فلم يُجِب أحدٌ، فقالت فاطمة رضيّ الله عنها:" ألاَّ
يَرَيْنَ الرِّجَالَ ولايَرُوْهُنَّ"، فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم:"
إنّها بَضْعَةٌ مِنِّي". 11بينما يضرب المثل:" كَيْفَ الطّلا وأُمُّه؟
للرّجل يذهبُ هَمُّه ويخلو لشأنهِ. 12
أشار العسكري إلى المثل القائل: " لِمَ وَلِمَهْ،
عَصَيْتُ أُمي الكَلِمَهْ! حيث يقوله الرّجل عند مَعْصِيته الشَّفِيقَ
نادماً على مَعْصِيَته.13
كذلك يجيء مثل:" أَنْجَبُ مِن أُمِّ البَنِين"، وهي هند
بنت عمرو بن عامر، فارس الضَحْيّاء، وَلضدت لمالك بن جعفر ابن كِلاب
مُلاعبَ الأسِنَّة عامراً، وفارسَ قُرزٌلٍ طُفيْلَ الخَيْلِ والد عامر،
وربيعَ المُقْترِينَ، ونزَّالَ المَضِيق سلْمى، ومَعَوِّدَ الحُكَماء
معاوية، قال لبيد:
نحـنُ بَنُـو أُمِّ البَنِيـنَ الأربَعَـــــهْ* 14
قال العسكري في حكاية المثل الآخر:" أنْجَـبُ مِـن
خَبيئَــةَ"، وهي بنت رياح بن الأشَلَّ الغنويّةُ، ولضدت من جعفر بم كِلاب
خالداً الأصبغ، ومالِكاً الطّيّان، وربيعة الأحْوَص. 15
وإنّ مثل:" أنجَـــبُ مِـن عاتِكَــة"، وهي بنت هِلال
بن مُرّة بن فالِج بن ذَكْوَانَ، وَلَدت لعبد مَنَاف بن قُصيِّ هاشماً،
وعبد شَمس، والمُطَّلب. 16ثم يحكي المثل الذي أورده العسكري وهو:" أنْفَسُ
مِن قُرْطَيْ مَارِيةَ"، ويقول: ويقال مثلٌ آخر:" ولو بقُرْطَيْ مَارِيَةَ
". وقال الكلبي: هي مَارِيَة بنتُ ظالِم بن وهب الكِندي، أُمُّ الحارث
الأعرج الأكبر الغسّاني، مضلِك الشّام، وهي التي ذكرها حسّان، فقال:
* قَبْرِ ابْنِ مَارِيَةَ الكريمِ المُفَضِلِ*
وقال الشاعر يُخاطب النُّعمان وقد اتَّهمه:
ياأيّها المَلِكُ الذّي مَلَكَ الأنَامَ عَلانِيَــــهْ
المالُ آخِذُهُ سِوَا يَ وَكُنْتُ عَنـْهُ ناحِيــــَهْ
إنِّي أُؤَدِّيَهُ
إليْـــــــــــــــــــــــــــــــــــــكَ وَلَوْ بِقُرْطَيْ مَارِيَهْ 17
يقال في المثل:" هَوَتْ أُمُّهُ، وَهَبِلَتْ أُمُّه"،
في موضع الحمد والمدح. قال كعب بن سعد الغَنَوشيُّ:
هَوَت أُمُّهُ ما يَبْعَثُ الصُّبْحُ غَادِياً وماذا
يُؤدِّي اللَّيلُ حينَ يَؤُوبُ
وهو كقولهم: قاتلهُ اللهُ، وأخْزَاهُ اللهُ، ما أحْسَنَ
ما جاءَ بِهِ! وأصلُ قولهم: " هَوَتْ" أي هَوَتْ مِن رأسِ جَبَل،
فَهَلَكتْ، والهَبَلُ: الثُّكْل، والثُّكْلُ والثَّكَل مثل البُخٍل
والبَخَل. 18
-
جمانة طه: موسوعة الأمثال الشعبية العربية، دراسة
تاريخية مقارنة، الدار الوطنية الجديدة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،
الخُبر، المملكة العربية السعودية، 1999م، ص 12.
-
الجوهري: الصحاح، مادة" مثل".
-
ابن منظور: لسان العرب، مادة" مثل".
-
سورة العنكبوت/ 43.
-
سورة الزمر/27.
-
محمد رجب السامرائي: التراث الشعبي في أدب التوحيدي
الإمتاع والمؤانسة أنموذجاً "، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم اللغة
العربية وآدابها كلية الآداب جامعة اليرموك، أربد، الأردن، 1997 ـ
م1998، ص 97.
-
أبو هلال العسكري: جمهرة الأمثال، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم وعبد
المجيد قطامش الجزء الأول والثاني، الطبعة الثانية، دار الجيل بيروت،
لبنان، "د.ت"، المثل رقم 147، الجزء الأول/ 152.
-
أبو هلال العسكري: جمهرة الأمثال، المثل رقم 375، الجزء الأول/ 272.
-
نفسه، المثل رقم 733، الجزء الأول/ 431.
-
نفسه، المثل رقم964 ، الجزء الأول/ 529.
-
نفسه، المثل رقم1408، الجزء الثاني/ 140.
-
نفسه، المثل رقم 1444، الجزء الثاني/ 160.
-
نفسه، المثل رقم1454 ، الجزء الثاني/205.
-
نفسه، المثل رقم 1776، الجزء الثاني/ 325.
-
نفسه، المثل رقم 1777، الجزء الثاني/ 326.
-
نفسه، المثل رقم 1778، الجزء الثاني/ 326.
-
نفسه، المثل رقم 1779، الجزء الثاني/ 336.
-
نفسه، المثل رقم 1822، الجزء الثاني/ 355.
المصــــــــادر والمراجــــــــع
………............................................
أ. المصادر:
1. القـرآن الكريم.
2. ابن منظور: لسان العرب.
3. أبو هلال العسكري: جمهرة الأمثال، تحقيق محمد أبو
الفضل إبراهيم وعبد المجيد قطامش الجزء الأول والثاني، الطبعة الثانية، دار
الجيل بيروت، لبنان.
4. الجوهري: الصِحاح.
ب. المـراجـع:
1.جمانة طه موسوعة الأمثال الشعبية العربية، دراسة
تاريخية مقارنة، الدار الوطنية الجديدة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى،
الخُبر، المملكة العربية السعودية، 1999م.
ج. الرسائل الجامعية:
1. محمد رجب السامرائي: التراث الشعبي في أدب التوحيدي
"الإمتاع والمؤانسة أنموذجاً "، رسالة ماجستير غير منشورة، قسم اللغة
العربية وآدابها، كلية الآداب جامعة اليرموك، أربد، الأردن، 1997 ـ م1998.
محمّد رجب
السّامرائي -
أبو ظبـــي
|