|
الــوصــــايا الثـلاث
عُـرف
عن بادية الإمـارات مثل بقيـة البوادي قلة الخيـر فيها وسـنوات الجفاف التي
تمر بها بين فتـرة وأخرى ، مما كان يضطر أبنـاء القبائل إلى الارتحال
الدائم وراء الماء والأرض الخضـراء التي تصلح لرعاية الإبل والماشية . وفي
إحدى هذه القبائل كانت حكايتنا .
كان
صاحبنا بدوياً اعتـاد رعاية الإبل ، إلا أن سـنوات الجفاف اضطرته إلى بيع
ما لديه من ماشيـة زمتاع ، فما كان منه إلا أن قرر الرحيل عن قبيلته طلباً
للعمل والرزق في قبيلة أخـرى ، فودع زوجته وأعد عدة السفر وانطلق إلى حـال
سبيله ، فقادته الأقدار إلى إحدى القبائل العربية الكبيرة المعروفة بغناها
وكثـرة ماشيتها وخصوبة أرضها ، فتوجه إلى شيخها يطلب العمل ، فرحب به شيخ
القبيـلة لما رأى فيه من سـمات الرجولة .
واستمر
البدوي لدى شيخ القبيـلة يعمل دون كلل ، يرعى الإبل أحياناً وأحياناً أخرى
يعمل في مضافة الشيخ عند وصول الضيوف لـديه ، وما كاد ينقضي العام حتى كان
شـيخ القبيـلة يكافئه بناقة أو جمل ، وهكذا مرت السنوات والبدوي في كل سنة
يحصل على جمل أو ناقة ، حتى أصبح لديه قطيع لا بأس به .
بعد
فترة أحس البدوي بالشوق والحنين لأهله وقبيلته ، ففاتح شيخ القبيلة برغبته
في الرحيل ، مما أحزن الشيخ ، فقد كان له بمثابة الابن لصـدقه وأمانته
ووفائه وإخلاصه في العمل ، إلا أن البدوي كان قد عزم على العودة ، وعند
ساعة الرحيل وقف البدوي مودعاً وطالباً للنصيحة التي تعينـه في سـفره من
شيخ القبيلة ، وقد كان معروفاً عن الشيخ الحكمة ، وبعد النظر ، فكان أن قال
له شيخ القبيلة ناصحاً :
أوصيك
بثلاث . لا تأخذ بمشورة الرجل الأعور ، وإذا نزلت لا تنزل ببطن الوادي ،
وإذا غضبت بالليل فلا تتخذ أمراً وانتظر إلى أن يصبح الصبح ، وإذا غضبت
بالنهار فانتظر الليـل .
انطلق
الدبوي مع قطيعه من الإبل متوجهاً إلى قبيلته يدفعه الشوق والحنين ، وأثناء
سـيره صادف مجموعة من البدو المرتحلين فطلب الرفقـة معهم فرحبوا به ، وبعد
فترة من السير أخذ القـوم يفكرون بالاستراحة قليلاً ثم مواصلة السير في
صباح اليوم الثالي . فأخذ القوم يتشاورون أي الأماكن أفضل لنزولهم مه
مواشيهم وكتن في القوم رجل أعـور ، فأشارعلى القوم بالنزول في بطن الوادي ،
إلا أن البدوي تذكر نصيحة شيخ القبيلة (لا تأخذ برأي الأعور ولا تنزل ببطن
الوادي ) فقال القوم بأن بطن الوادي مكان خطر ، فانقسم القوم ، بين مؤيد
للأعور ومؤيد لرأي البدوي .
فكان أن نزل
الأعور بأتباعه في بطن الوادي ، أما البدوي فقد نزل مع من أخذ بنصيحته على
تلة مرتفعة ، وما إن أقبل الليل حتى هبت عاصفة قوية وتدفقت ميـاه السيول في
بطن الوادي فأخذ القوم الذين نزلوا على رأي الأعور بالمفاجأة وجرفهم الوادي
مع مواشيهم ، في حين نجـا البدوي ومن أخذ برأيـه .
وفي الصباح أكمل
البدوي مع النفر الذين معه سـيرهم ، وما أن اقترب من قبيلته حتى ودّع
أصحابه وأكمل مسـيرته لوحده إلى القبيلة وأصبح على مشارفها وقد أقبل الليل،
فترك ما معه من ماشية خارج القبيلة وسـار إلى المكان الذي فيه خيمته ، وما
إن وصل حتى لاحظ وجود شخص ينام بالقرب من زوجته ، فغضب كثيراً واستل خنجره
ليقتل هذا الغريب ، إلا أنه تذكر نصيحة الشيخ ( إذا غضبت بالليل فانتظر
النهار ) فتراجع من فوره وعـاد إلى المكان الذي قد ترك به إبله ينتظر شروق
الشمس .
أقبل الصباح وبدأت
الشمس ترسل أشعتها بهدوء والبدوي ينتظر بفارغ الصبر التوجه إلى أهله ،
وبينما هو كذلك أقبل نحوه فتى يافع يحمـل بين يديه قـربة ماء ، وما إن وصل
إليه حتى ألقى عليه السلام وقال له :
- إن هـذا الماء قد
أرسلته لك أمي لتتوضـأ يا أبـي .
فبهت البدوي واسـتغرب
من كلام الفتى ، وقال له :
- من أنـت يا فتـى .
- فقال الشاب : أنا
ابنك الذي تركته طفلاً رضيعاً ، وإن أمي قد أحست بل ليلة البارحة فأرسلتني
إليك لأستقبلك .
ففرح البدوي وحمـد
الله أنه لم ينسق وراء غضبه بالأمس ، فانطلق مع ابنه يقود قطيعه إلى قبيلته
وهو فرح بابنـه .
الخـدعـة
المميـــتة
كان هناك تاجر يدعى
محمـد عُـرف في قبيلته بذكائه وفطنتـه في التجارة . وكان البدو يأتمنـونه
على أموالهم فيتاجر لهم بها ويأتيهم بالربـح الوفير . وكان يتميز بالقـوة
البدنية ويشهد له بالشجاعة .
وفي إحدى رحلاته
التجارية وصل التاجر محمـد إلى قـرية فبـاع بضاعته واشترى من أهلها ما
لديهم من بضائع ، وجنى الـربح الكثير وكان في تلك القرية لصان يراقـبان
التاجر ويريـان مـا جنى من أموال .فقررا أن يسـرقا ماله، إلا أنهما خافـا
من أن يواجها التاجر مباشرة فيتغلب عليهما خاصة وأنه كان يحمل سـلاحه كما
أن بنيتـه تدل على قـوته وشجاعته ، فقررا أن يستوليا بالخديعـة والمكر .
وأخذا يسيران خلف التاجر الذي ركب جمله بعد أن انتهى من تجارته وتوجـه نحـو
الصحراء .
اتفق اللصـان أن يدعي
أحدهما الموت وأن ينادي الآخر على التاجر مستغيثاً به ، فإن نـزل من على
جمله فإنه ولابد يترك سـلاحه هناك، وقرر أن يطلب اللص من التاجر أن يساعده
في حمل صديقه المدعي الموت على أن يمسك التاجر باللص من رأسه وأن يمسك اللص
الآخـر به من رجله بحجـة حمل الميت إلى القـرية وعندها سيمسك اللص المدعي
الموت بالتاجر من رأسـه وسيهجم عليه الآخر من خلفه .
وبـدأ اللصان في
تنفيذ الخدعـة فنام أحدهما متظاهراً بالمـوت وأخذ الآخر يصرخ ويستغيث
بالتاجر ويطلب المساعدة لأن صديقه قد مات ، فما كان من التاجر إلا أن نزل
من على جمله وتوجـه إلى الرجل الذي يستغيث يسأله عن أمـره ، فقص عليه اللص
قصته وطلب منه أن يساعده في حمل صديقه الميت إلى القرية وطلب من التاجـر
الذي غلبه الحزن على هذا المصاب أن يحمل الميت من رأسـه وسيحمله هو من قدمه
كما خطط اللصان .
فغل التاجر ما طلب
منه اللص وسـاعده في حمل صديقه إلا أن المفاجـأة كانت أن اللص الذي كان
يدعي الموت قد مات فعلاً ، لذلك فإنه أثناء حمله لم يقم بمـا كان متفقاً
عليه وأخذ اللص الآخر ينتظر دون جدوى ، فأدرك اللص أن صديقه قد مات فعلاً
فما كـان منه إلا أن أجهش في البكاء وأخذ ينتجب وطلب من التاجر أن يضعا
الميت في ظلّ إحدى الأشجار وهو لا يزال ينوح على صاحبه ، ويطلب الصفح من
التاجر فاستغرب التاجر حال الرجل .
أخبر اللص التاجر
بأمر المكيدة وكيف أنـه وصـاحبه قـد مكرا إلا أن الله أمرك الماكرين ، وأن
كيدهم قد رد عليهم ، وأبدى اللص ندمـه . فما كان إلا أن عفا التاجـر عنه
وتركه لحال سبيله وقد نوى الاسـتقامة والتوبة والنـدم .
كـــن
أســـداً
يحكى أنه في قديم الزمان كان هناك رجل لديه مزرعة
واسعة اجتهد عمره في زراعتها بأنواع النخيل والخضروات. وكان متزوجاً وقد
رزقه الله بولد واحـد . مما جعل زوجـة الفلاح تحرص على أبنها أشد الحرص
وتدللـه غاية الدلال وتمنعه من القيـام بأي عمل ، وهذا الأسـلوب في
التربيـة لم يكن يعجب المزارع بل كثيراً ما غضب من زوجتـه ، وكان دائمـاً
يقول لها :
-
إن العمل في زراعة الأرض يحتـاج إلى الجـد والمثابرة ولابد لأبننـا
أن يتعلم ويعمل ليكون عـونا لي في شيخوختي .
إلا أن الزوجة كانت
تصر على تدليل الابن والحيلولة دون قيـامه بأي عمل من شـأنه أن يرهقه .
ومـرت السنون وكبر
الفتى وصار شـابا إلا أن تدليل أمه له قـد أفسده وجعله اتكاليـاً كسولاً لا
يحب العمل وينتظر من الآخرين أن يخدموه دائمـاً . وكان الأب كلما رأي ابنـه
كذلك ازدادت حسرته وألمه . فقرر ذات يوم أن يتحدث مع ابنـه ، فقال الأب
للابن :
-
يا بنـي لقد كبر بي السـن
والعمل في المزرعة لم يعد لي طاقة به وأنت ابني الوحيد ووجودك معي وعملك
إلى جانبي سـوف يخفف من مشقة الزراعة ورعاية مواشي المزرعـة .
إلا أن هذا الكلام لم يحـرك
في الفتى المدلل أيـة مشاعر بل أ‘رض عن أبيـه مما أثار غضب الأب الذي ما
كان منه إلا أن طـرد ابنـه من المنـزل على أمـل أن يعود إلى رشده ويكر
بجدية . إلا أنه وللأسف فإن الشاب الكسول استسهل الخروج من المنزل على
العمـل مـع أبيـه .
خرج الشاب من منزل
والده لا يدري إلى أين يتجـه أو مـاذا يفعل . وأثناء سيره وصل إلى واد كثيف
الشجر فجلس تحت إحدى تلك الأشـجار يفكر في حاله ، وبينما هو كذلك إذا بأسـد
يركض في الوادي يلاحق ظبيـاً صغيراً ، وما هي إلا لحظات حتى صاده وأطبق
عليه يأكله ..، وما إن شبع حتى ترك بقايا الظبي مكانه وانطلق لحـاله .
وبعد قليل ظهر في
الوادي ثعلب أخذ يركض متوجهاً نحو بقـايا الفريسة ,اخذ يلتهم ما تبقـى من
الظبي الميت ، ثم انطلق أيضاً لحاله . كل هذا والفتى جالس في مكانه يراقب
الوضع . وأخذ يفكر فيما رآه ، فقال في نفسـه :
-
إن كان الله قد رزق الثعلب دون كد وتعب فإن الله أيضـاً سوف يرزقنـي
دون عمـل .
وبعد أن استراح
لهذه الفكرة التي توصل إليها انطلق عائداً إلى المنزل وما أ ن وصل حتى
استقبلته أمه بالفـرح ، فأخبرها بقصة الأسد والثعلب ، وبين لها ما توصل
إليه من قرار ، ثم أخذ الاثنان ينتظران عودة الأب ليحكيا له الحكـاية .
عاد الأب في
المساء إلى المنزل فوجد ابنه قد عاد ، فظن أن الابن – ولابد قد عاد لرشده –
وقرر العمل مع والده في المزرعة إلا أن الابن أخذ يقص على أبيه قصة الأسد
والثعلب ، وما توصل إليه من استنتاج . تحسر الأب وقال لابنـه :
- يا بنـي كن أسداً يأكل من
سعيك الآخرون ولا تكن ثعلباً تأكل من سعي الآخرين ومن بقاياهـم .
وأصر الأب على ابنـه أن
يغادر المنزل ولا يرجع إليـه حتى يعود لرشـده .
وخرج الابن مرة أخرى لا يعرف
إلى أين يتوجه . وسار ينتقل من واد إلى آخر ، ومن قرية إلى أخرى . وأثناء
سيره وترحاله كان يرى الناس يعملون ويجتهدون في العمل الصغير منهم والكبير
فأدرك أن كرامة الإنسان وعزته في الكسب بيده وعدم الاتكـال على الآخرين .
وقرر الشاب أن يعمل وأخذ
يبيـع ويشتري كلما حل بقرية أو قبيـلة حتى صار له مال وتـزوج من بنات إحدى
القبائل التي كان يتاجر معها ورزقـه الله الأبنـاء ، فقرر العودة إلى
قريتـه وأمه وأبيه . وبالفعل عاد الشاب وقد أصبح رجلاً ناضجاً يملك المـال
ويعرف قيمة العمل ، فما إن وصل إلى المنـزل حتى هللت أمه فرحاً بعودته وسر
الأب للحال التي أصبح عليها ابنـه والتي كان يتمناها لـه .
وهـم السـحرة والجـن
كان شائعاً لدى العرب في الإمارات في الماضي
الكثير من قصص السحرة وخرافات الجن والعفاريت ، وكان البدو يعرفون هذه
القصص ويخافون من المناطق التي يُعرف عن أهلها ممارسة السحر والشعوذة .
كان حميد بدوياً
يرتحل مع ناقتـه في الصحراء طلباً للرزق ، وفي إحدى المرات وأثنـاء سيره
غفل عن ناقته ففـرت منه ، ولم يستطع اللحاق بها ، فما كان منه إلا أن أخذ
يتبـع أثرها ويسأل عنها كل من رأي من البدو . وأثناء بحثه التقى بمجموعة من
البدو التجار المرتحلين فأخبرهم بأمر النـاقة فما كان من التجار إلا أن
عرضوا عليه أن يرافقهم في ترحالهم فقد يجدون ناقتـه وأنه من الأفضل أن لا
يتنقل بمفرده خوفاً من السحرة والجن المنتشرين في تلك المناطق .
وسار القوم
يرافقـهم حميد ويتجـاذب معهم الحديث عن أخبار العرب ، إلى أن وصلوا خيام
قبيلة ، فسأل حميد التجار عن هذه القبيلة وأهلها ، فأخبره التجار أن هذه
القبيلة من القبائل التي عرف عن أهلها التعامل بالسحر والتعاون مع الجن ،
فما كان من حميد إلا أن تملكه الخـوف .
تقـدم القوم إلى
القبيلة التي استقبلهم أهلها استقبالاً حافلاً كعادة البدو وذبحـوا لهم
الذبائح وأنزلوهم في خيمة ليستريحوا بها .
وكان حميد في هذه
الأثناء خائفاً ولكنـه لا يظهر ذلك حتى لا يهزأ منه القوم . ولكي لا ينتبـه
القوم لحاله رفض أن يبيت مع النجار في الخيمة وسأل أهل القبيلة إن كان
لديهم مسجد ، وكانت المساجد تبنـى من الطين والخوص في تلك الفترة ، فأرشدوا
حميداً إلى مكان المسجد ليبيت فيه .
في تلك الليلة كان
أهل القبيلة فتـى قد توفي فكُفن وترك في المسجد ليصلي عليه الفجر ويدفن ،
وعندما دخل حميد المسجد لم يلحظ الميت المسجى في الكفن ، خاصة وأن الظلام
كان دامساً ولم تكن هناك إنارة بالمسـجد .
نـام حميد تلك
الليلة في المسجد وهو لا يدري شيئاً . وما إن اقترب الفجر حتى جاء والد
الفتى الميت إلى المسجد ليتلو ويقرأ القرآن على ولده إلى أن يحين وقت
الصلاة ويتجمع القوم . وبينما كان والد الفتى يسير داخل المسجد وهو يهلل
ويسبح سمعه حميد ففتـح عينيـه الناعسة ببطئ فوجـد أمامه شيخاً بملابس بيضاء
ولحيه طويلة بيضاء ، فسكت من الخوف وجمد في مكانه ، ليرى ما يحدث ونفسه
تحدثـه بأمر السحرة والجن
اقترب الشيخ من
حميد النائم وهو يعتقد أنه ابنه الميت . وما أن أصبح قرب رأس حميد حتى قال
:
-
يجب أن أنادي على القوم لنحملـه .
ظن حميد أنه المقصود بهذا
القول وأن السحرة يريدون أن يحملوه ، فما كان منه إلا أن قفز من مكانه
وأطلق ساقيه للريح وقد اصطدم بالشيخ أثناء فراره ، فما كان من الشيخ إلا أن
صرخ من هول المفاجأة :
-
إن الميت قـد عـاد للحيـاة .
وهو يعتقد أن
الذي قام يركض إنما هو ابنـه . أما حميد فقد ركض إلى التجار في الخيمة التي
كانوا يبيتون بها ، وهو يصرخ إن السحرة يريدون حملي وصوته يتهدج من الخوف
وجسمه يرتجف . فما كان من أصحابه إلا أن خرجوا يستطلعون الأمر فوجودا أهل
الفتى الميت يصرخون بأن ابنهم قد عـاد للحياة وأنه في خيمة التجـار .
وقف القوم وأخذ
كل منهم يروي حكايته للطرف الأخر وأتضح الخلط الذي وقع به القـوم . وعرف
حميد أن الوهم والخوف عدوان للرجل يجب أن يحذرهما ولا يعظمهما في نفسه حتى
لا يتمكنا منـه .
الصـدقة الجـارية
عرف عن البدو في الماضي تكافلهم وسعيهم في حاجة أهلهم
وتصدقهم الدائم إلى المحتاج والقريب . وفي إحدى القبائل كان هناك رجل عُرف
بكرمه وجوده وكان له جيران عُرف عنهم الفقر والحاجة ، فكان أن منحهم التاجر
ناقة من أجمل النوق لينتفعوا بحليبها وتعينهم على شدة الحياة في البادية ،
وكان هذا الرجل الكريم قد عُرف عنه حبه للصيد ، فكان ينطلق بين الجبال وفي
الصحراء يطارد الصيد ويعود إلى أهله وأبنائه بالصيد الوفير من الغزلان
والظباء والحبارى أو الأرانب .
وفي إحدى المرات
عزم البدوي على التوجه إلى الصيد وأراد أن يصيد وعلاً ، لذلك أعد عدة الصيد
والجمل الذي سوف يركبه ، ثم توجه نحو الجبال ، وعندما وصل إلى المكان الذي
يتوقع به وفرة الصيد من الوعلان ، ترك جمله في أسفل الجبل وانطلق يتسلق
الصخور بحثاً عن الصيد ، وأثناء تسلقه زلت قدمه في جرف بالوادي وكسرت . كان
المكان الذي سقط به البدوي شديد الانحدار وقد تجمع به بعض الماء فغسل جرحه
وربطه إلا أنه لم يستطع الحركـة للعودة إلى جمله .
أسلم الرجل أمره
لله تعالى ولرحمته على أمل أن يبحث عنه أحد ، ومر أسبوع والرجل في ذلك
المكان لا يمكن لأحد أن يسمعه أو يصل إليه ، وفي هذه الأثناء كان الرجل إذا
جاء الليل ونام فإنه عندما يصبح عليه الصباح كان يجد بالقرب منه وعاء به
حليب ناقة فكان يستغرب من هذا الأمر ، إلا أنه كان يشربه واستمر به الحال
كذلك طوال ذلك الأسبوع .
إن غياب الرجل عن
قبيلته جعل الأبناء يبحثون عن والدهم إلا أنهم لم يجدوا إليه سبيلاً
فتوقعوا أنه قد مات خاصة بعد انقضاء أسبوع على تغيبه ، وهو لا يمكن له أن
يحيا وليس معه ما يكفيه من الطعـام والماء . وأخذ الأبنـاء يتشاورون في أمر
اقتسام تركة والدهم وتذكروا أنه كان قد منح جيرانهم ناقة من خيرة النوق ،
فاستكثروا أن ينفرد الجار الفقير بها . فانطلقوا إلى جيرانهم وأخذوا منهم
الناقة بالرغم من رجاء الجار لهم وتذكيره إياهم بأنها صدقة من أبيهم وأنه
يجب عليهم الالتزام بما قـام به من أ‘مـال الخير والبر . إلا أن الأبناء
أخذهم الطمع فاسـتعادوا الناقة من الجـار .
في اليوم التالي
وجد التاجر أن وعاء الحليب الذي كان يجده كل صباح قد حجب عنه فأحس في نفسه
بالخوف وأدرك أنه إذا لم يحاول الحركة سيموت في مكانه ، فتحامل على نفسـه
وأخذ يزحف إلى أن وصل إلى منطقة بارزة من الجبل وأخذ يصرخ بصوت عالٍ ،
فسمعه أحد الرعاة الذي صادف مروره في تلك المنطقة فتوجـه إلى الرجل وأنقـذه
واصطحبه إلى قبيلتـه .
فرح أهل القبيلة
بعودة البدوي وأخذوا يعالجونه من جراحه حتى تم له الشـفاء . فحدث أهله بأمر
الحادث الذي وقع له وأمر الحليب الذي كان يجده عنده في كل صباح ولمدة أسبوع
وكيف أن هذا الحليب قد انقطع عنه بعد ذلك ، فاستغرب القوم من هذا الأمـر ،
إلا أن أحد حكماء القبيلة قال للرجل إن الحليب الذي كان يأتيـه إنما هو رزق
وأجر من الله عن تصدقه بالناقة لجاره المحتاج ، وإن هذا الأجر قد حجب عنه
عندما استعاد أبنـاؤه الناقة ، فغضب الرجل من أبنائه وطلب منهم أن يعيدوا
الناقة إلى جاره وزاد الجار المحتاج بجمل أخر وعزم أن لا يدخر وسعاً في
التصدق بماله على المحتاجين وحث أبنـاءه على الحرص على ذلك فإن الصدقة
الجارية منجاة لصاحبها من النـار .
المـــال الحــلال
كانت الإبل والماشية من أهم ثروات أهل الإمارات في
الماضي ، فمن كان يملكها يستطيع أن ينتفع بلحمها ووبرها وجلودها ولبنها
وحليبها . ويحكى أنه كان هناك رجل له بقـرة ذات حليب لذيذ وكان الرجل يبيع
الحليب ويصنع اللبن وكان الناس يقبلون على بضاعته لجودتها . وفي يوم من
الأيام وسوس له الشيطان بأن يخلط الحليب بالماء ليزيد ربحه ويثري بسرعة .
فكان أن قام
بوزن الحليب الذي جمعه من البقرة التي لديه ثم زاد مقدار الحليب ماء ليضاعف
الكمية ويضاعف الربح ، وذهب إلى السوق كعادته لبيع الحليب وأقبل الناس عليه
يشترون منه حتى نفـد ما لديه من حليب ، فسر الرجل مما حققه من ربـح ، وكرر
العمل ذاته في اليوم التالي وغش الحليب بالماء وضاعفه ، واستمر على هذا
الحال عدة أيام حتى بدأ الناس ينصرفون عنه لإحساسهم بعدم جودة الحليب وتغير
طعمه ، ويماً بعد يوم امتنع الناس عن شراء الحليب المغشوش . عندها فكر
الرجل أنه لا رزق له في هذه القرية بعد أن انصرف القوم عم بضاعته وأنه يجب
أن يجرب حظه في التجارة في مكان آخر خاصة وأن بيع الحليب المغشوش قد عاد
عليه بالربح الوافر .
وكان العرب في
الماضي إذا ضاقت بهم سبل الرزق في البر لجأوا إلى البحر . فكانت السفن
تحملهم إلى بلاد الهند وفارس وإفريقيا فيتاجرون معها ، فقرر الرجل أن يسافر
مع إحدى السفن المتجهة إلى الهند لكي يشتري منها البضائع ويعود ويبيعها
فيربح . وفعلاً اتفق مع أحد ربابنة السفن المسافرة إلى الهند أن يرحل معهم
، وفي اليـوم التالي أعد عدة السفر وجمع ما توفر لديه من مال ، وركب
السفينة ليبدأ رحلته الجديدة على أمل أن تتاح له الفرصة لكي يحصل على بضاعة
جيدة وربح وفير .
وأثناء الرحلة
البحرية إلى الهند كان لدى أحد البحارة قرداً صغير يصطحبه معه في أسفاره
وكان بمثابة الصديق له ، وكان القرد يلعب على ظهر السفينة ويشاكس المسافرين
ويعبث في حوائجهم إلا أنهم كانوا لا يغضبون منه ويضحكون معه . وفي إحدى
المرات هجم القرد على حاجيات التاجر وأخرج الكيس الذي يحفظ به نقوده ، فغضب
التاجر وجـن جنونـه وأخذ يطارد القرد وهو يصرخ والقرد يركض ويقفز ويتأرجح
بين حبال السفينـة هنا وهناك ، حتى وصل إلى مقدمة السفينة وجلس هناك وكلما
حاول الرجل أن يقترب منه أخذ القرد يلوح بكيس النقود كأنه يريد أن يقـذف به
في البحر ، والتاجر يصرخ تارة ويتوسل تارة أخرى . فنصحه البحارة أن يهـدأ
حتى لا يثير القرد ، وأن يلاطف القرد حتى يستدرجه لينزل من مكانه فيسلم
التاجر على نقـوده .
وفي لحظات
الانتظار الصعبة فتح القرد كيس النقود ثم أخذ قطعة منه وألقى بها إلى
التاجر الذي فرح لأنه ظن أن القرد سيعيد إليه ماله إلا أن القرد أخرج قطعة
أخرى ولكن هذه المرة ألقى بها إلى البحر فصرخ الرجل غاضباً وكاد أن يقفز
على القرد ليمسك به . إلا أن البحارة أمسكوا به حتى لا يقذف القرد ببقيـة
المال في البحر .
وتـابع القرد
بعد ذلك يلقي قطعة نقود إلى التاجر وأخرى يلقيها إلى البحر واستمر الحال
كذلك والتاجر كلما استمر القرد في عمله هذا كلما أجهش بالبكـاء حتى انتهـى
المال الذي كان في الكيس وكان القرد قد رمـى نصفه في البحر ، ثم عاد القرد
يقفز إلى صاحبه البحـار وكأنه لم يفعل شيئاً .
أخـذ البحارة
يواسون الرجل لضياع نصف ماله ، إلا أن الرجل قال لهم وهو يبكي إن هـذا
القرد قد طهـره من المال الحرام ، فاستغرب القوم من قـوله ذلك . فكان أ ن
قـص عليهم التاجر قصته وكيف أن نصف ماله إنما هو ربح من غـش الحليب بالماء
، وأن القرد بما فعـل قد ألقى الربح الحرام في البحر وبقي له ربحـه الحلال
، وأخذ الرجل يشكر الله ويحمـده ونـوى أن يلتـزم الحلال في عمله ليبارك
الله لـه فيـه .
عبدالعزيز المسلم / مدير إدارة التراث- الشارقة
|