:: الصفحـة الرئيسية > الأدب الشعبي

 شعـــراء الأمــارات

  

الشاعر الماجدي بن ظاهـر

        يقول الشاعران حمد بوشهاب وإبراهيم بوملحة أنهما يستطيعان أن يذهبا إلى القول بأن الشاعر الماجدي بن ظاهر هو أول شاعر إماراتي قديم حفظ لنا التاريخ اسمه وحصيلة ثمينة من أشعاره ، ويضيفان أنه لا يسعفهما دليل في كونه من أوائل الشعراء الذين ابتدأ بهم تاريخ الشعر الشعبي في الإمارات ، بل أنهما لا ينفيان وجود شعراء آخرين قبل ابن ظاهر وشعراء معاصرين لـه لكنهما لم يقفا على أسمائهم أو بعض من أشعارهم ويطمئنان إلى أن بن ظاهر يمثل مرحلة من مراحل سابقة مجهولة التحديد في نشأة الشعر الشعبي وتطوره ،وليست المرحلة الأولى بالذات وحسبهما في ذلك سبب واحد ، وهو أن الدارس لشعر بن ظاهر يراه قمة لا تجاري وذروة لا تباري من حيث خصائص الصياغة اللغوية وحسن السبك وعمق المعاني الغنية المشتملة على ثقافة غزيرة واطلاع واسع إلى غير ذلك من المميزات .

        وشاعر على هذا القدر الكبير من الإجادة لابد وأن يكون عصره مرحلة متأخرة من مراحل سبقته ، تأثر فيها بمن سبقوه من شعراء تلك المراحل ، فليس من المعقول لمرحلة تعتبر بداية لنشأة الشعر الشعبي أن تنجب شاعراً فذا بمثل هذه الخصائص العظيمة .

        وفي ترجمة لحياة الشاعر ابن ظاهر يقول حمد بوشهاب وإبراهيم بوملحة ، من الصعب جداً أن نقف على تفصيل حياة هذا الشاعر لبعد الشقة بيننا وبينه من ناحية ولعدم توافر ترجمة كتابية عن حياته من ناحية أخرى ، وما وقفنا عليه في ذلك إنما هي روايات من أفواه بعض العارفين من المسنين في دولة الإمارات .

        وقد اختلف الروايات في مولد ابن ظاهر ونشأته ، فمن قائل أنه ولد في قرية الذيد من أعمال الشارقة مستنداً في ذلك إلى ما جاء في أشعاره عنها وعن وصف نخيلها ..كما يرى البعض ، ولكن ذلك ليس دليلاً قاطعاً لمولده فيها ، فقد تعرض ابن ظاهر في أشعاره للذيد كما تعرض لغيرها من مناطق الإمارات وقراها ، ومن قائل أنه ولد في رأس الخيمة بمنطقة الساعدي ، ودليله على ذلك أن الشاعر كان ملماً بأحداث هذه المنطقة وكثيراً ما كان يتردد ذكرها في أشعاره ، وقد تكون هذه الرواية أرجح لدينا من الأولى لسببين أولهما :

        أن الإنسان إذا تقدمت به السن أصبح كثير التحنان والشوق إلى وطنه وهذا ما يفسر لنا كثرة تردد اسم تلك المنطقة في شعر ابن ظاهر وتعرضه لكثير من أحداثها .

ثانيهما : من المعروف أن ابن ظاهر في آخر حياته قد استقر بالخران ودفن بأرضها بناء على وصيته ، ومازال قبره معروفاً فيها إلى الآن وفي ذلك قال قبل وفاته بقليل :

                ما بين سيح أو ساحل منقادي          هناك وين العين طـاب منامها

        وفي رواية لأحمـد بن مصبح بن حموده بـأن الشاعر ابن ظاهر ولد بالقرب من منطقة الخران ونشأ بها وترعرع على أرضها وعندما اشتد عوده وأصبح من القادرين على تحمل الأخطار والضرب في الأرض أخذ  يتنقل في مدن الإمارات وقراها ، وفي آخر عمره استقر في الخران وتوفى فيها ودفن بها ، ويذكر لنا الراوي أيضاً أن ابن ظاهر قد أجرى بعض التجارب على الأراضي التي أحب أن يدفن فيها بعد موته وكانت لديه " درية" عبارة عن "خيوط مطوية من الصوف" " يدفنها في التراب لفترة عام ثم يعود لنبشها فيجدها وقد أكلها التراب ، إلا التي دفنها في الخران وجدها باقية على حالها لم تتغير ، لذلك أوصى بدفنه فيها .

        وكان ابن ظاهر – كما يروي عنه وكما تدلنا أشعاره أيضاً – رجلاً بدوياً اعتاد التنقل في أرجاء المنطقة شأنه في ذلك شأن البدو الرحل الذين ينتجعون مواقع القطر ومنابت الكلأ،وله في ذلك عدة قصائد يذكر فيها كثيراً من تلك المواقع التي كان ينتجعها .

        ويمضي بنا الشاعر في السحاب فيشير إلى أنه قد عم جميع بدوان المنطقة التي يسكنون بها وهي من الظفرة آخر حدود أبوظبي إلى دهان برأس الخيمة .

        وقد امتهن بن ظاهر حرفة صيد السمك واللؤلؤ الذي يستخرج من المياه القريبة من الساحل والتي تسمى "بالقحه " حيث كان الغواصون يذهبون إليها لصيد اللؤلؤ والسمك معاً صباحاً ويعودون ظهراً وكانت لابن ظاهر شاشة في منطقة دهان من أ‘مال رأس الخيمة يستعملها في الكسب على عياله من تلك المهنة المذكورة .

        وكان من عادة حكام راس الخيمة وتوابعها فرض ضريبة على كل سفينة عاملة في البحر حسب حجم السفينة فلما طولب الشاعر بأداء هذه الضريبة إستاء من ذلك الطلب وامتنع عن أدائها وانشد هذين البيتين :

                مالي في دْهـاْن طوْاَلْ دومْ              ولا في الحيلْ مخْضَر الخوافـي

                وَرأْس الْمَاْل شاَشْه من يريد             بطَبّعها وبخَلَي الْكَـرْبَ غافي

        ويقصد الشاعر أنه رجل فقير لا يمتلك سفينة كبيرة في دهان وهي التي كنى عنها بقولة "طول دوم" ولا يملك نخيلاً خضراء في منطقة الحي يدران عليه كسباً ويضطرانه إلى البقاء فيها ، وإنما كل رأس ماله شاشة صغيرة يسهل عليه أن يغرقها في البحر ويرحل عنها إن رأى ما يغضبه ، وتستطرد الرواية بأن الشاعر قد ترك دهان بعد ذلك ، وذهب إلى جميراء الواقعة غرب بر دبي ، وأقام فيها مدة قصيرة يمارس فيها نفس معاناته السابقة ، لكن لم يطل به المقام .

التعـريف بقبيلتـه :

        ويستطرد حمد بوشهاب وإبراهيم بوملحة فيقولان : لم نقف لابن ظاهر على اسم واضح كامل سوى ما جاء في أشعاره من ترداد التعبير عن نفسه بالماجدي ابن ظاهر ، وظاهر إما أن يكون أبا الشاعر أو لقباً اشتهر به إذ أن عادة الناس في تلك الأوقات أن ينادوا الإنسان بابن فلان نسبة إلى أبيه أو بأبي فلان نسبة إلى ابنه البكر كما هو مشاهد بكثرة عند القبائل البدوية حتى يصبح ذلك علماً عليه لا يعرف بغيره .

أما المواجد الذين ينتسب إليهم الشاعر في أكثر قصائده ففيهم ثلاث روايات :

الأولى : للمرحوم الشيخ سلطان بن سالم القاسمي حاكم رأس الخيمة سابقاً ويذهب إلى أن المواجد فرع من المزاريع، ويقول : مما يثبت أن المواجد فرع من المزاريع أن أمير أذن الشيخ محمد بن سلطان الماجدي مزروعي .

الثانية : لحمد بن عبدالله العويس حيث يذهب إلى أن المواجد قبيلة من قبائل بني ياس ومسكنهم منطقة مزيد القريبة من العين ولا يزالون بها إلى الآن .

الثالثة : لأحمد بن مصبح بن حموده ويقول : بأن المواجد فرع من المطاريش وإن كل ماجدي مطروشي ويؤيده في ذلك راشد بن علي بن غليطه القمزي قائلاً نعم كل ماجدي مطروشي .

        من هنا يتضح لنا أن الماجدي ليس إسماً لابن ظاهر وإنما هو نسب لقبيلته التي ينتمي إليها ويعتز بها كعادة الناس في تلك الأزمان وخاصة البدو منهم في افتخارهم بقبائلهم .. وليس بغريب أن يدأب الشاعر على الافتخار بقبيلته ويقدمها على اسمه في أشعاره ما دام ذلك شأن أهل عصره في الفخر بالنسب والقبيلة .

تـاريخ مولـد ابن ظاهـر :

        أما عن تاريخ مولده ووفاته فإننا لا نستطيع أن نضع لهما رقماً معيناً ولكن يمكننا أن نحدد الفترة التي عاشها الشاعر .. فقد عاصر ابن ظاهر فترة من عهد الدولة البعربية التي قامت في عمان سنة 1024هـ.. ودليلنا على هذا أن ابن ظاهر قد مدح أحد أئمة هذه الدولة وهو الإمام سيف بن سلطان الذي تولى الإمامة في عام 1104هجرية وتوفى عام 1123هجرية بعد حكم دام تسعة عشر عاماً .

ويقول ابن ظاهر في قصيدته التي يمدح به الإمام سيف بن سلطان :

                نرعى القفور إبلا سـبور ولالنا         دور يـدور وهـو مر الجامها

                في ظل بو سلطان لي يهين العدا         اللى رقى من العز ذروة سنامها

                لي بيت ريت مجالس مفتـوحة          وحياتي تركـض بها خـدامها

وللأسف أن هذه القصيدة قد ضاعت ولم يبق منها إلا هذه الأبيات الثلاثة على ألسنة الناس .

ذكـاء ابن ظاهر :

اشتهر الشاعر ابن ظاهر بسرعة البديهة وحدة الذكاء ،فيروى أن وفداً من ثلاثة رجال قدموا إلى ابن ظاهر ، فاستقبلهم ورحب بهم وبما أنه لم يكن يعرف شيئاً من أسمائهم ..فقد سأل الأول ما اسمك؟ فأجابه :"اللي على يدك اليمنى" فرد ابن ظاهر مرحباً بخاتم: ثم سأل الثاني عن اسمه فأجابه "تمرك العامي" فقال له ابن ظاهر : حيا الله عتيج ، ثم سأل الثالث عن اسمه فأجابه " خذ من العشرة ثلاثة" فقال له :أهلاً بالسبع .

        ويروي أن ابن ظاهر قد عمر طويلاً حتى انحنى ظهره وتقوس فالتقى به أحد الشباب وقال له بكم هذا القوس .. يعرض بانحناء ظهر الشاعر فأجابه ابن ظاهر على البديهة قائلاً " اصبر بييك القوس بلا ثمن " أي مهلاً فستأتيك القوس الذي تسأل عن قيمته بلا ثمن .

 ابنـة ابـن ظـاهــر:

        ولم يذكر لنا التاريخ عقباً لابن ظاهر عدا بنتا واحدة لم نعرف لها إسماً سوى أنها ابنة ابن ظاهر كما أعربت هي عن نفسها في قصيدتها الوحيدة التي لم نقف لها على غيرها : وتعتبر هذه القصيدة من غرر ما قرأناه من القصائد في اشتمالها على حكم وأمثال ومخاطبة وأسلوب لا يقل عن مستوى ما تحتويه أشعار أبيها من هذه الخصائص ..فهذه القصيدة تجعلنا أمام شاعرة متمكنة من نظم الشعر بجدارة ولا غرو أن تكون كذلك فهي ابنة ابن ظاهر ونفحة من نفحـاته .

        تبدأ إبنة ابن ظاهر قصيدتها بقولها : أنه ليس في وسع كل إنسان حتى الفهاما منهم أن يأتوا بالأمثال الحكيمة ثم تصف شعر غيرها من الشعراء بخوص النخل وشعرها بأنه قلب النخلة ولبها الذي يعتبر أجود من خوصها بكثير،كما تقول بأن في الناس من ينظر بعين بصيرته ، وأن الذي لا يحسب لخطواته حساباً أضناه التعب ، وتعثرت قدماه فشكى منها الألم ، والذي لا يأخذ الأمور بالتدبير والحكمة كمن يريد أن يكحل عينه فيقذيها .

        ومن الناس من يتغاضى ولو ذهب أكثر ماله وتلف، ومنهم الشحيح الذي يقاصك في النزر اليسير. وتمضي بنا في ضرب الأمثال فتقول أن بعض الجهلة يعالج الأمور بشدة فهو كالذي إذا شبك بثوبه بعض الشوك انتزعه بقوة فمزق من جراء ذلك ثوبـه ، ثم تلتفت الشاعرة إلى الوراء فتخاطب أيام صباها التي انقضت فتشبهها بسفينة قد أدبرت بشراعها وغابت عن الأنظار ، وتشبه الإنسان في حال الكبر بالسفينة القديمة التي تكاثرت عيوبها .. كلما حاولت المسير صدها الهواء من أمامها " ويسمى الهواء الذي يأتي نن أمام السفينة فيعرقل سيرها بالفالع " .

        ثم تصف بعض بحارة هذه السفينة بالذين أخذهم الدوار " الهداما" وبعضهم الآخر بعدم معرفة قيادة السفينة التي تتناوشها العيوب ، وتقول لقد تعهدوا بالقيام بما يحتم عليهم الواجب ولكن يبدو من تجربتها معهم أنهم أهل عرض وحاجة ، متى ما انقضت أخلوا بكلمتهم ، ولم يفوا بوعدهم ثم تقول إنه يجب على الكرام أن يترفعوا عن مصادقة الأشباه الذين يشتبه في سلوكهم وأخلاقياتهم لأنهم ليسوا أهل ثقـة.

        ثم تمضي في قولها بأن الإنسان السائر في غيه عليه أن يتمعن في وجهة ليدرك ما مضى من عمره ، ثم تحث على كرم الضيف باختيار الذبيحة السمينة حتى لا تلوكه ألسنه الناس بالذم ، ثم تلتفت إلى نفسها قائلة : لقد انشغلت عن الواجبات والفروض بمشاغل النفس ومطامع الدنيا التي لا تجلب على المرء إلا الذنوب ثم تستطرد على طريقتها في النصح فتقول : انه إذا ما حدثت مشكلة وتكلم الناس فيها بالحق وبالباطل فعليك أن تنقاد للحق ولا تتمادى في الباطل الذي يروج له السفهاء ، ثم تعود بنا مرة أخرى إلى أيام ماضيها فتبكي صباها الفائت بعين لا ينقطع ماؤها .

تقـول بنت ابن ظـاهـر :

والأمثال ما كل الفهاما هذوبها إلى سفت الشعراء خوص مضاعف تنقيت من خوص الخوافي قلوبها ناس تجـاد والجدا من عيونها وناس تجـاد والجدا من قلوبها