:: الصفحـة الرئيسية > الأدب الشعبي

 شعـــراء الأمــارات

  

الشاعر سـالم بن علي العويس

        ولد الشاعر المرحوم سالم بن علي بن ناصر العويس في بلدة الحيرة عام 1307هجرية 1887ميلادية ، تلك البلدة الواقعة بين إماراتي الشارقة وعجمان التابعين لدولة الإمارات العربية المتحدة ، ونشأ في بلدة الحمرية التي وفد إليها من نجد في تلك الفترة شيخان جليلان هما الشيخ عبدالصمد والشيخ عبدالوهاب إبنا عبدالعزيز بن عبدالله التميمي. وعلى يديهما تتلمذ شاعرنا مع غيره من طلاب البلدة . وكانت أهم المواد التي تدرس في تلك الحقبة من الزمن القرآن الكريم والحساب والكتابة. ويقول العالم الأديب المرحوم الشيخ مبارك بن سيف الناخي الصديق الحميم للشاعر إن الطالب سالم بن علي العويس كان الأول دائماً على أقرانه وعريفاً عليهم في الصف .

ذكريات الحب الصغير :

        غنية حياة هذا الشاعر الكبير وللحب فيها موقع مرموق ويروى أنه كان دائم التردد على منزل صديق بمنطقة الرأس في دبي حيث نمت مشاعر الإعجاب والمودة لصبية صغيرة كانت تستقبله بفنجان قهوة في كل مرة ، وأخذت المشاعر تفيق وتنمو مع الأيام حتى أصبحت عشقاً ومحبة اضطرته حين بغت الفتاة الثامنة عشرة من العمر أن يتقدم لخطبتها فلا يرده الأب وتوافق الأم وكذلك العروس إلا أن شقيقها يقف معترضاً على إتمام الزواج بحجة فارق السن .. فيعود الشاعر خائباً لا يملك سوى الذكريات وعدد من قصائد الحب النبطية :

                يـوم زمنـك مينوني                  ويـوم سنيك ثمـان

                تستمر جـداك عيوني                  واصبح و أنا ولهـان

                لي من بك بشرونـي                  كان الحوى بستان

                بيد الشـمال تمـوني                  وتطـاول الفنجـان

        وقد بدأ الشاعر سالم بن علي العويس قول الشعر وكتابته وهو فتى لا يتجاوز السادسة عشرة من عمره ، وكان شغوفاً بالمطالعة في وقت كانت الكتب والمجلات لا يصل منها إلى المنطقة إلا النزر اليسير ، وكان مشتركاً في مجلة "الفتح" التي تصدر في القاهرة عن دار المكتبة لصاحبها محب الدين الخطيب ، وكانت تصل إلى المنطقة بعد ثلاثة أو أربعة أشهر من صدورها عن طريق البصرة في العراق . كما كان مشتركاً في مجلة "أم القرى" وتصدر في مكة المكرمة ، وكان القرآن الكريم المصدر الرئيسي لشعره معنى ومفردات .

        عـاد الشاعر إلى الحيرة مرة أخرى واشتغل بتجارة اللؤلؤ ثم استقر في دبي وهناك عمل بالتجارة وكان الحظ حليفه .

        وفي فترة لاحقة دخل المذياع إلى منطقة الخليج العربي فكان بمثابة النافذة التي يطل منها الشاعر على العالم، يرصد أخباره ويتفاعل مع أحداثه شعراً وشعوراً .

        ويقـول عبدالعزيز بن ناصر العويس أن شاعرنا سالم بن علي العويس قد عاصر بداية انحسار المد الاستعماري عن بعض الأقطار العربية ، وعاصر أيضاً اندلاع الثورة العربية ضد الاستعمار وكان واحداً من شعرائها ، وخاصة تلك التي قادها رائد الحرية المرحوم جمال عبدالناصر، الذي مجده الشاعر وافتخر به كثيراً ، لأن ثورة الثالث والعشرين من يوليو – تموز 1952تعتبر في نظره ولادة لتحرر الأمة العربية ، والشعر الذي يواكب ولادة الأمة هو الذي يكتب له البقـاء .

        أن البعد القومي والرؤيا الثاقبة في قراءة المستقبل تتجلى لدى شاعرنا في كثير من قصائده ، مثالاً على ذلك نورد البيت التالي من قصيدة له وردت في الديوان :

                فلا اعتراف ولا سلم وإن سقطت              بعـد النشوب ليوم الحرب تيجان

توفى الشاعر في عام 1959م في مدينة الشارقة التي انتقل إليها قبيل وفاته حيث يسكن أبناؤه وغالبية عشيرته .

        وقد أبرز الكتاب الذي أصدره اتحاد كتاب وأدباء الإمارات عن هذا الشاعر الكبير معظم ما كتبه بشكل شبه متكامل حيث قام الكاتب عبدالاله عبدالقادر بجمع وإعداد كافة الدراسات والوثائق التي قدمت في الاحتفال بمئوية العويس بشكل يساعد على تكوين صورة عن هذا الشاعر .

        وعندما نقرأ الكتاب نتوقف عند أشهر شعر البدايات في حياة سالم بن علي العويس ومنها قصيدة مطولة حول الخلافات والمنازعات بين طرفين في الشارقة والحمرية يقول فيها :

                هـات بعتاب وفصل عويه رقاب              حمرا عليها شاعب ومشعـاب

        ثم يواصل نظم الشعر النبطي خلال إقامته في الحمرية التي استمرت 35عاماً انتقل بعدها إلى مسقط رأسه في الحيرة حيث عاش 17 سنة تطورت خلالها قدراته الشعرية بشكل عظيم وكان مجلسه الأدبي ظاهرة حضارية ثقافية ..وقراءة أشعاره ، تقدم لنا شاعراً قومياً ينظم مرثية في سعد زغلول تثير الدهشة حول اهتمام الرجل مبكراً بمصر .. وكذلك نفس الشيء في اهتمامه بالمغرب العربي كله .. يقول في رثاء سـعد :

                ما فقد زغلول خطب يستهان به               فابعث بكل بلاد منك زغلولاً

                لاحت له مصـر أحزاباً مقطعة                فضمها قوة واستأصل القيـلا 

                لا يوقظ الشعب إلا ما جد ثقة                 فتى يعد قرين الظلـم مسئولاً

        هذا الحس القومي يبلغ ذروته لدى الشاعر أ كما يقول الكاتب عبداللطيف الزبيدي : يقينا أننا لا نجد شاعراً خليجياً في النصف الأول من القرن العشرين تناول القضايا القومية العربية بالغزارة التي تناول بها شاعر الإمارات سالم بن علي العويس ، إذ تكاد لا تخلو قصيدة لـه من هذه المضامين ، ومن مواصلة الرحلة مع حياة الشاعر الكبير نكتشف انه وجد حلمه القومي والبطولي متجسداً في جمال عبدالناصر مشيراً له الزعيم :

                هي الوحدة الكبرى"تراث الأكابر"             وقل لي هل آمنت أم غير قــادر

                ولولا "زعيم" لا يجـادل رأيـه                حكمت على أحلامنـا بالخسـائر

                ولكـنني مهمـا تمنيت لا رأي                        سوى النجح أن النجح حظ المصاير

                ومما علمنا من سواك "زعيمنا "                هو الصبر حتى اليأس من كل صابر

إن حياة سالم بن سلطان العويس ..قصة شاعر عظيم جسد الحلم والأمل على ضفاف الخليج .

        وليس عجيباً أن الشاعرين سالم بن علي العويس الذي احتفل بمئويته في عام 1987م، وسلطان بن علي العويس صاحب جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية وأحد الذين لهم الفضل في تنشيط الجو الثقافي والفكري في المنطقة من عائلة واحدة رغم الفارق الزمني بين الشاعرين "ولد سالم عام 1887م بينما ولد سلطان عام 1925م" فإنهما يلتقيان في أكثر من نقطة فكلاهما كما يقول عبدالاله عبدالقادر – تاجر لؤلؤ..وكلاهما لم يجر وراء المال لجمعه فحسب ، ولم ينسيا إنسانيتهما وانتماءهما الوطني القومي ، بل انهما استطاعا من خلال مساهماتهما الشعرية تأكيد الجذور الحضارية لدولة الإمارات ، وأن هذه المنطقة ليست أرض بترول فحسب ، إنما هي أرض للإبداعات الإنسانية المتعددة ، ورغم أنهما عاشا زمن العزلة القسرية لهذه الأرض إلا أنهما استطاعا كسر هذه العزلة إلى أفاق أكثر رحابة واتساعاً ، وأن يتواصلا بشعرهما مع القصيدة الكلاسيكية العروضية بل إن سلطان العويس ينتقل بها حتى عصر القصيدة المنثورة ليقف بها إلى جانب كل أنواع الحداثة الشعرية ونجدها حية عبر صياغته المعاصرة جداً لهذه القصيدة العروضية ، إن الحديث عن فقدان الأمة العربية لشاعر عروضي يدحض تماماً من خلال القصيدة "العويسية" إن جاز التعبير مجازاً .

        وكلا الشاعرين "سالم وسلطان " يلتقيان في كونهما ينتميان إلى عائلة عرفت الشعر والأدب منذ سنين طويلة ، كان أحد أعلامها الشاعر النبطي علي العويس – والد سالم – فقد عرف بشعره النبطي وإبداعاته من خلال مساهمات عديدة ، وقد تأثرا بلا شك بهذه العلاقة التي تفشت في العائلة ، وورثا الملكة الشعرية الفنية في معانيها وأساليبها .

        بل إن كلا الشاعرين تعلم في الكتاتيب ، ولكنهما تجاوزا بثقافتهما كل مراحل التعليم فوصلا بشعرهما إلى مستوى عال جداً من الثقافة والعلم والمعرفة وظهر ذلك جلياً في شعرهما والمفاهيم التي طرحاها من خلال قصائدهما .

يقول سـالم بن علي العويس :

        تباعد عن حمل السلاح جهادي          ولست لنفسي بالسلامة فادي

        ولا الموت في ظل السيوف لمنيتي                 وتلك ولو يدري الجهول مرادي

        حياة لدى الرب الكريم كريمة           لخير كثيراً من جهاد عوادي

بينمـا يقـول سلطان العويس :

        بيروت يا جنة الخلان كيف لنا          أن نثنى الدمع من أن يملأ الحدقا

        والحب يطعن في الوادي ومديته          الأقـربون وكـل يدعى الخلقا    

        عودي ربيعاً كما قد كنت وارفة                وانسى الشتاء الذي قد أسقط الورقا

وكلا الشاعرين أيضاً أسير القصيدة الكلاسيكية ، بل أنهما يشكلان جزءاً من هذه المدرسة العربية متأثرين تماماً بإنجازات المبدعين فيها ، والذين عاشوا في النصف الأول من القرن الحالي بل وأضافا كثيراً لها كمبدعين لا مقلدين لهذه المدرسة وأعلامها ، بل أنهما علمان بارزان فيها، رغم أن سلطان بحكم الزمن الذي تواصل بعد رحيل معظم أعلامها قد تأثر كثيراً بمفاهيم المدارس الحديثة خاصة في المفردات التي طرحها في شعره والألفاظ التي يختارها والأوزان التي يصوغ بها، والأغراض الشعرية التي كتب فيها .

        وفي باب المقارنة بين الشاعرين فرغم النقاط العديدة التي يلتقيان بها إلا أن سالماً امتاز في معظم ما كتبه بالاتجاه نحو الحكمة والفلسفة والأغراض القومية والوطنية ، بل أن هاجسه الأساسي كان الهم القومي والإسلامي والإنساني ، فكانت معظم قصائده تترجم هذا الهم وتصب فيه ، حتى لتعجز أن تجد شاعراً عاش في النصف الأول من هذا القرن يوازي سالم بن علي العويس في هذا الهم الواعي ويواكبه .

        أما "سلطان بن على العويس " فإن معظم قصائده اتجهت نحو الحس الوجداني ورغم كتابته للقصيدة الوطنية والقومية إلا أنها لا تشكل ثقلاً كبيراً في إنتاجه الشعري ، بل حينما تطالع ديوانه أو القصائد المنشورة في المجلات والصحف الخليجية تجده شاعراً لا يكتب إلا في الحب والمرأة .

أرى الحب يا ليلي سبيلي ومهجتي             فإن شاء أن يعطى وإن شاء يمنع

        وهو ينتقل بالقصيدة الغزلية إلى عوالم مترفعة جداً من الغزل ، عوالم من التسامي بالحب حتى يصل به الذروة ، ويقف دائماً إلى جانب عمالقة شعراء الغزل لا في التراث العربي فحسب،بل هو في مقدمة المعاصرين منهم أيضاً، ولعل ما يجعلنا ننحاز إلى هذا السمو في القصيدة الغزالية عند سلطان هو تجاوزه الستين من العمر إلا انه يكتب شعراً غزلياً يمس شغاف القلب حتى يكاد يمس اللب منه، رفيقاً تحس بأنه ينتقي الألفاظ فيصوغها غزلاً .. انه خبير في الربط بين قلادات اللؤلؤ التي تزين جيد الحسان وبين كلمات تصوغ قصائد تداعب أحلام هؤلاء الحسان .      ليلى وصبحي في هواك تنافسا          فالصبح وجهك والخيال له الكري     

                يا حلوتى يا آهتى إن الهـوى          قـدر جرى ونعمت فيما قـدراً

وسلطان العويس ارتبط بالقصيدة العربية فتأثر بها ، وهذا التأثر جاء طبيعياً من خلال قراءاته وبحثه، فنجده أحياناً متأثراً بالمعرى.

فدع ليلاك يغلبها المعـري             وقـل لي ما حبابة مـن يـزيد

وتجده أحياناً متأثراً بأبي نواس حيث نجد كثيراً من صوره الشعرية نواسـية تماماً.

        والشاعر سلطان العويس إن كان قد امتاز بغزله السامي ، والتغني بجمالية المرأة وأطر هذا التميز بأسلوب فخم وبناء جيد في القصيدة ، فهو أيضاً كتب في أغراض عديدة أخرى، خرجت عن هذا الإطار وأكدت اندماجه الإنساني ، القومي الوطني ، فكتب عن لبنان في محنته .. مؤكداً هذا الانتماء من خلال عدة قصائد اتخذت مسارات متعددة .

        والشاعر سلطان بن علي العويس على قدرته الشعرية التي أكدها من خلال قصيدته العروضية ومتانة بنائها فهو أيضاً إلى درجة كبيرة – كما يقول عنه الأستاذ (عبدالغفار حسين) في بعض ما كتب عنه أنه – " التاجر الذي استهواه الشعر أكثر مما استهوته التجارة " لكن هذه الهواية الشعرية لن تدفعه أيضاً إلى تجميع قصائده وإصدارها في ديوان إذ ، لولا مبادرة الأستاذ (حمد بوشهاب) في جمع ديوانه الأول لما كان بين يدي القارئ شيء من شعر سلطان العويس .