|
مجلة شهرية ثقافية منوعة تصدر عن
نادي تراث الأمارات
|
دور الأســرة ... في
حمــاية التراث
|
عبدالعزيز عبدالرحمن المسلم
كانت الأسـرة في الماضي هي البيئة الرئيسة التي
تشكل ثقـافة الطفل وتبلور شخصيته الأولى ، وقد كان التراث الشعبي هو المنبع الذي
تنهل منه الأسرة احتياجاتها الأساسية للتربيـة .
وقد تركزت المصادر الرئيسة التي يستقي منها الطفل
الإماراتي معارفه التقليدية والثقافية الأولى في ثـلاث بيئـات هي : البيئة
المغلقة (المطوّع "الكتاب" – المساجد – المجالس )، والبيئة المفتوحة (الفريج) ،
والبيئة الخاصـة (الأسـرة ) .
وحتى نوضـح هذه البيئـات أو المصادر وأثـرها على
الطفل .. نتحدث عنها بشيء من التفصيل .
فالمصادر المغلقة تتمثل في المطوّع: وهي تسمية الكُتاب في الإمارات ، وهو مركز
مختلط للجنسين في سن ما قبل البلوغ ، وغالباً ما يكون المكان هو بيت المعلم
(المطوع) ، ويتلقى فيه الطالب مبادئ الحروف الأبجدية ، وحساب الجمل ، والقرآن
الكريم، والأحاديث النبوية الشريفة ، والحسـاب .
ثم المسجد: وهو مركز العبادة الإسلامية اليومية ، فيه يتعلم المسلم النظام
والإنصات والخشوع، إضافة إلى أدائه للعبادات المفروضة ، كما أنه في يوم الجمعة من
كل أسبوع يطلع على الجديد من أمور دينه ودنياه .
وأخيراً المجلس : وقد تفرعت المجالس في الإمارات إلى ثلاثة فروع هي : المبرز:
وهو ديوان الحاكم ، المليس : للأعيان وكبار التجار ، المرمس: لعامة
الناس وهو مجلس للتسامر وسرد الحكايات والأشعار .
وتشترك البيئات التي ذكرناها سابقاً في أنها مغلقة في حـدود المكان وأن الطفل
فيها متلق فقط، ولا يمكنه تداول المواضيع المطروحة مع المتحدثين لعـدة أسباب
أهمها: أن بعض المواضيع دينية لا تقبل المجادلة ، خصوصاً في سن الطفولة ، وأن
التعليم تلقيني ولا يقبل الحـوار ، أما المجالس فهي للكبار ، والصغار فيها يتخذون
صفة المراقبة فقط .
ثانيـاً
: المصادر المفتوحة مثل الفريـج: أو " الفريق" وهو الحي السكني ، وهو بيئـة
مفتوحة للطفل يتلقى فيه بعض النظم والقوانين والعادات من خلال الألعاب الشعبية ،
ويحفظ بعض الأهازيج والأغـاني كما يزيد من محصلته اللغوية . وهي بيئة لا تتسم
بالغنى من الناحية المعرفيـة لتقـارب الأعمار في المحيط المعطي .
ثالثـاً :
الخاصة وتتمثـل في الأسـرة : وهي بيئـة خاصة يتلقى الطفل الجزء الأساسي من معارفه
وعاداته وتقاليده وثقافته الأولى ، وجزءاً كبيراً من محفوظاته، ومن خلال هذه
البيئة الخاصة يتم ملء الجـزء الأكبر من أوعية ذاكراته الصغيرة .
والأسـرة هي محور الحديث في هذا المقام ، ويتضح مما سبق ، بأنها هي البيئة الأكثر
خصوبة من ناحية تعليم الطفل الأبجديات الأولى للهجة الشعبية، والعادات ،
والتقاليد، ونماذج من الأدب الشعبي ، حتى الحالات التي ينتقل فيها الطفل إلى
بيئات أخرى مثل البيئة التعليمية أو مجتمع الكبار ونعني به المجالس ، فإن محيط
الأسـرة يبقى هو الأكثر إشباعاً لاحتياجاته .
فالأسـرة في الإمارات كانت أسرة ممتدة إلى عهد قريب. حتى مطلع الثمانينات. حيث
كانت تتكون على الأغلب من الجد والجدة والأبناء وزوجات الأبناء والأحفاد ، مما
يشكل مجتمعاً صغيراً شبه متكامل ، أربعة أجيال تعيش في بيت واحد ، جيل الأجداد
والأبناء وزوجات الأبناء والأحفاد ، في منزل هو أشبه بالمدرسة ، مبنى على النمط
التقليدي للعمارة التقليدية في الخليج ، الغرف تحيط بالفناء ، والمدخل الرئيسي
يستخدمه الرجال فقط إلا ما نـدر، وهناك مدخل خاص للنساء والأطفال .
ومن
خلال هذا التجمع الكبير ضمن الأسرة الواحدة ، كان الطفل يتعلم دائماً مراعاة
الآخر الكبير والصغير في شتى أمور الحياة، بدءاً من الغذاء إلى استخدام
الخلاء،ومراعاة التستر في الملبس، والاستئذان قبل كل فتح باب مغلق، وما يتبع ذلك
من وجود لفرد بين جماعة كبيرة تحكمها الأعراف والتقاليد العامة أو حتى الخاصة .
وقد وجدت العديد من الأسر التي انتشرت فيما بعد من هذه البيوت لتشكل جماعات لها
سلوكها الخاص أو المتفرد ببعض المميزات الخاصة ، حتى اللهجة.
ولكـن تبقى للأسرة إلى الجانب الإيجابيات بعض السلبيات التي أثـرت على الطفل
والتي سنذكرها بعد الجوانب الإيجابية التاليـة :
الجـوانب الإيجـابية :
ومنها : حفظ المأثورات الشفاهية عن ظهر قلب وبشكل بسيط وسريع ، تناقل العادات
والتقاليد بشكل ميسر وتلقائي ، معرفة أسس المعالجات الشعبية ، معرفة الأوقات
والمواسم وفق الطريقة التقليدية ، تعلم مهارات حرفية لبعض المهـن التقليدية .
أما الجوانب السلبية فتتمثل في تناقل بعض العادات والتقاليد السيئة (العيب
والحرام) ، الحرمان من التعليم (بالنسبة للإناث)،حجب بعض المعلومات المهمة
(الجنسية أو الأنساب)، المعتقدات الدينية الخاطئة (المطاوعة– الأضرحة– والأعمال
السحرية )، الحسد والعين (الإيمان المطلق بأن جميع حالات عدم التوفيق بسببها ).
هذه لمحة عن الدور التقليدي للأسرة في التراث الشعبي في دولة الإمارات العربية
المتحدة، لم يبق من سلوكياتها ومعطياتها إلا النـزر القليل ،حتى أن التغيير قد
طال القرى الزراعية والبدو والقرى الجبلية التي سعت الحكومة إلى توفير سبل الحياة
الكريمة للمواطنين بمنحهم بيوتاً فيما يسمى الإسكان الشعبي ، لكنها ضاقت بهذه
الأسرة مع مرور الوقت ، مما أجبرها على الانفصال والعيش في أسر صغيرة أثر سلباً
على تواصل الأجيال وانتقال المعارف والمأثورات الشفاهية .
|