مجلة شهرية ثقافية منوعة تصدر عن نادي تراث الأمارات

سـوق عكـاظ .. تـاريخ وتـراث

       محمد علي خميس النجـار

        تُعتبرُ سـوق عُكاظ أهم وأشهر أسواق العرب الموسمية على امتداد الجزيرة العربية ، فتاريخها يضربُ في أعماق الزمن ، وفعالياتُها متعددة ، ونشاطاتها متعددة ، ونشاطاتها متميزة ، وهي أحدُ المحاور الرئيسية للتراث الأدبي العربي بشعرهِ ، وألوان نثـره ، وسجل تاريخيّ ، ومنتدى اقتصاديّ ، وملتقى اجتماعيّ ، ومؤتمر سياسيّ ، ومجمع ثقافي ، بل هي نموذج حقيقي وواقعي للأسواق الموسمية التي تنعقدُ في فترة محدودة ، وتنقضي على أن تنعقد في نفس الموعد من العام المقبل ، يشاركها في ذلك سوقان مجاورتان لها هما؛ مجنـة وذو المجاز .

        لقد انفردت مكة من بين مدن الجزيرة العربية بمثل هذه الأسواق ، فهي التي تصدت للتجارة ، وكانت مركزاً نشطاً لها ، فمن المعروف أن الدولة الحميرية سيطرت على التجارة البحرية والبرية ردحاً من الزمن حتى إذا ما خبا نجمها التجاري ، بدأ عربُ الشمال في اقتحام ميدان التجارة ، فاحتلت مكةُ – بصورة خاصة – أهمية كبيرة كمركز تجاري لوقوعها على الطريق التجاريّ القديم الممتد من حضرموت ، فالبتراء ، فبلاد الشام ، بل في منتصف هذا الطريق تقريباً ، مما سهل لسكانها التعامل في التجارة ، وَجني أرباح ما كانت تعود عليهم لولا ذلك .

        وقد عملت قريش نفسُها بالتجارة بعد أن ضعف تأثير اليمنيين في عالم التجارة والمواصلات ، وعلا نجمها ، وبخاصة منذ القرن السادس الميلادي ؛ فنظموا التجارة ما بين اليمن والشام ، فكانت رحلتا الشتاء والصيف ، وقد ذُكِرَتا في القرآن الكريم (1) فقد استطاعت قريش أن تأخذ الإيلاف من الملوك ، لتأمين طرق تجارتها ومصالحها في الشام ، والحبشة ، واليمن ، والعراق ، وغيرها من المناطق التي كانت تجارة قريش تصلها. وذكر اليعقوبي (2) أنه بعد أن أخذ هاشم من قيصر كتاباً يُؤمن تجار قريش وتجاراتهم " انصرف هاشم فجعل كلما مر بحي من العـرب ، أخذ من أشرافهم الإيلاف أن يأمنوا عندهم وفي أرضهم..." (3) .

        أمـا عبد شمس فخرج إلى النجاشي ملك الحبشة ، وجدد العهد معه ..فلم يلبث أن مات بمكة ، ودُفنَ بالحجون، وخرج نوفل إلى العراق ، وأخذ عهداً من كسرى ، ثم أقبل فمات بموقع يُقال له سلمان (4) . يقول مطرود الخزاعي (5):

        يـا أيها الرجل المحـول رحلـه

                هـلا نزلت بـآل عبد مَنــافِ

        الآخــذين العهـد في آفاقهـا

                والراحلين لرحــلة الإيـلافِ (6)

وتذكر المصادر أن بني عبد مناف الأربعة ، وهم : هاشم ، وعبد شمس ، والمطلب ، ونوفل كان يرأس كل منهم قافلة التجارة إلى متجره " فكان متجر هاشم إلى الشام ، فهلك بغزة ، وكان أول من رحل الرحلتين .. وكان متجر عبد شمس إلى الحبشة ، فمات بمكة ، وكان متجر عبد المطلب إلى اليمن ، فمات بموضع يُقال له سلمان .." (7) وفي ذلك يقول مطرود بن كعب الخزاعي (8) :

قبـر بردمان وقبر بسلمان وقبر عند غـزات وميت مات قريبـاً لدى الحجون من شرق الثنيـات

لقد نشطت التجارة في مكة التي أصبحت مركزاً تجارياً مهماً ، حيث كانت نقطة الالتقاء والانطلاق من جديد ، فكانت عير قريش تحمل البضائع والعروض التجارية من اليمن والحبشة ومصر ، وكان عمرو بن العاص واحداً من التجار العرب الذين دخلوا مصر قبل الفتح الإسلامي لها ، مما سهل عليه عملية الفتح لمعرفته بطرقها ومدنها ، ونُظُمها ، وطبائع أهلها .

قريـش ومكــة

        كانت القوافل تتجه إلى الشام ، وهي تحمل من بضائع اليمن ، والحبشة ، والهند القادمة إلى موانئ الجنوب ، ثم تعود إلى مكة ، وهي تحمل أصنافاً كثيرة من الشام كالزيت والمنسوجات ، والخمر وغيرها ، فتبيع ما شاء لها أن تبيع ، وتحمل ما تراه يُغني في التجارة إلى بلاد اليمن والحبشة والهند . وظل هذا دأبها حتى صـارت مكة قِبلةَ التجـار الأجانب من فرس وروم استقروا فيها ، وتعاملوا في التجارة .

        يقول ديلاسي أوليري: " إنه كان في مكة نفسها بيوت تجارية رومانية يستخدمها الرومانيون للشؤون التجارية ، والتجسس على أحوال العرب ، كذلك كان فيها أحباش ينظرون في مصالح قومهم التجارية " (9) قد وصف غير واحد من المؤرخين قريشاً بمهارتها في التجارة وحسن تصرفها فيها ، وقد ساعدها ذلك على تحقيق مزيد من النجاح خارج مكة وداخلها وبخاصة في أسواق عكاظ ، ومجنـة ، وذي المجاز ، فكان هذا النجاحُ امتداداً لنجاحاتها في عالم التجارة خارج مكة .

        لقد حبا الله مكة بميزات لم تحظ بها مدن أخرى ، فقد جعل الله سبحانه وتعالى مواسم الحج في مكة دون غيرها ، فكانت لها مكانة خاصة في نفوس العرب ، وبالتالي كان لأهلها من قريش مهابة ليست لغيرهم من العرب ، فهم أهل البيت ، وسكان الحـر م .

        لقد جعل الله سبحانه وتعالى مكة قلب العالم ومركزاً لـه ، فقد قـام الدكتور (حسين كمال الدين) أستاذ المساحة بدارسة أثبت خلالهـا أن مكة هي مركز الكرة الأرضية ، وكان هدفه في البداية الوصول إلى وسيلة تساعد أي مسلم في أي مكان في العالم على تحديد مكان القبلة ، إلا أنه توصل أثناء بحثـه إلى ما يشبه النظرية الجغرافية ، بأن مكة هي مركز لدائرة تمر بأطراف جميع القارات ..فقد اتجه إلى رسم خريطة للكرة الأرضية تُحددُ عليها اتجاهات القبلة ، فبعد أن رسم الخريطة بحسب أبعاد كل الأماكن على القارات الست وموضعها من مدينة مكة ، ثم أوصل بين خطوط الطول المتساوية مع بعضها ؛ ليعرف كيف يكون إسقاط خطوط الطول وخطوط العرض ، تبين له أن مكة هي بؤرة هذه الخطوط ، ثم رسم خطوط القارات ، وكل التفاصيل على هذه الشبكة ، واستعان في بحثـه بالعقل الإلكتروني لتحديد المسافات والانحرافات المطلوبة ، ولاحظ أنه يستطيع أن يرسم دائرة يكون مركزها مكة ، وحدودها خارج القـارات الأرضية ومحيطها يدور مع حدود القـارات الخارجية ، وتوصل من خلال نظـريته إلى مغزى الحكمة الإلهية في اختيار مكة مكاناً لبيت الله  (10) .

        فكان هذا البيت – ولا يزال – تهوي إليه أفئدة المسلمين من كل مكان ، وفي هذا المكان كانت أعظم أسواق العرب وهي عكاظ التي من خلالها بمكن أن نرى كيف كانت تدور الحياة في جزيرة العرب قبل آلاف السنين ، وذلك من خلال رؤيتنا لحياة العرب في هذه السوق التي تعتبر صورة مصغرة من الجزيرة العربية .

 دلالات اســم عكـاظ

        إذا فعكاظ هي إحدى أسواق العرب، بل هي أشـهرها على الإطلاق لما تتميز به عن غيرها من الأسواق الأخرى ، وعكاظ من مادة (عكظ). يقول صاحب القاموس : عكظه: يعكظه: حبسه: وعركه. قهره ورد عليه فخره .. فيتعاكظون أي يتفاخرون ويتناشدون.. والتعاكظ : التجادل والتحاج .

        وهكذا نجد اسم السوق يدل على ما فيه ، فللاسم دلالة واضحة على المسمي ، فكل الذي أورده صاحب القاموس يناسب السوق " فقد سُمي عكاظُ عكاظاً لأن العرب كانت تجتمعُ فيه فيعكظ بعضهم بعضاً بالفخار أي يدعك..ويقال: عكظ الرجلُ صاحبه إذا فاخره وغلبة في المفاخرة ، فسُميت عكاظُ بذلك. وتذكر بعض المصادر أن سوق عكاظ أقامها أفعى نجران سلطان التبابعة معانـدة لموسم الحرم كما ذكر البيهقي .

        وعكاظ بأعلى نجد قريب من عرفات ، وهي نخل في وادٍ بينه وبين الطائف ليلة، وبينه وبين مكة ثلاث ليال، وبه كانت تقام سوق العرب ، بموضع منه يقال له: الأثيداء ،وقال الأزرقي : " عكاظ وراء قرن المنازل بمرحلة على طريق صنعاء في عمل الطائف على بريد منها وهي سوق لقيس بن عيلان وثقيف ، وأرضها لنصر"

        وقبل سنوات بذل الأثريون والمؤرخون جهداً كبيراً لتحديد مكان السوق ، فكان الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود –رحمة الله – " أول من اهتم بتعيين وتحديد مكان سوق عكاظ.. وفي الآونة الأخيرة تبنت الرئاسة العامة لرعاية الشباب بالمملكة العربية السعودية مشروعاً لإحياء سوق عكاظ.. لإقامته سنوياً " إلا أن هذا المشروع قد تأجل حتى يتم حسمُ عددٍ من الاختيارات الخاصة بمكان وزمان قيام السوق على عدة اعتبارات منها التغيرُ الذي طرأ على الحياة ، فما كان صالحاً الآن سواء بالنسبة لقيام السوق في مكانهـا، أم قيامها دائمة أو موسمية ، والفوائد التي ستعود من جراء إحياء هذه السوق التي سـادت كل الأسواق في عصرها.

        أما بالنسبة لتحديد مكان السوق ، فقد توصل البحثُ والتنقيبُ إلى أن " موقع عكاظ في (الحوية) إحدى الضواحي الشمالية لمدينة الطائف ، ويبعد عن مطار الحوية بحوالي عشرة كيلومترات شرقاً عند ملتقى ووادي شرب ووادي الأخيضر " .

        وقد ساهمت الأطلال الأثرية التي تعود إلى العصر العباسي والتي تقع شرق عكاظ في تحديد موقعها ، كما ساهمت تلك الآثارُ المطمورة تحت كُثبِ من الرمال من أوان فخارية ، وأدوات معيشية كانت تستخدم في العصر الجاهلي في تأكيد هذا الموقع الذي يقع في منطقة واسعة منبسطة ، يمكن أن تتسع لاستقبال القبائل والتجار القادمين إليها ، وأن تستوعب تجمعاتهم ، وقد امتازوا حول دائرة السوق ، حيث كانت تنزلها " قريش وهوازان وطوائف من أفنـاء العرب: غطفان ، وأسلم ، والأحابيش ، وهم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة وعضل والديش والحيا والمصطلق وغيرهم من العرب .

        وقد اختلفت الروايات في تاريخ انعقاد هذه السوق ، فقالوا : " كانت العرب تقيم بسوق عكاظ شهر شوال ، ثم تنتقل إلى سوق مجنـة ، فتقيم فيه عشرين يوماً من ذي القعدة " وذكر ابن حبيب أنها " كانت تقوم للنصف من ذي القعدة إلى أخر الشهر " أما الأزرقي فذكر أن الناس كانوا يخرجون إلى مواسمهم فيصبحون بعكاظ يوم هلال ذي القعدة ، فيقيمون به عشرين ليلة تقوم فيها أسواقهم بعكاظ وقد ذكر ابن عبدربه في عقده أيضاً . أن سوق عكاظ تقوم أول يوم من ذي القعدة ، ولعل ما ذهب إليه الأزرقي ، وتابعه فيه ابن عبدربه ، هو الأقرب إلى الصـواب .

        وقد كان لقيـام السوق في الأشهر الحُرُم أثر واضح في تأمين الطرق إليها . رغم بعض التجاوزات الأمنية ولما كانت عكاظ من موسم الحج ، فإن السوق كانت تكتظ بصورة لم تشهدها أي سوق في جـزيرة العرب . وإلى ذلك يشير أبو ذؤيب الهذلي بقوله :

        إذا بنـي القباب على عكاظ

                وقـام البيع واجتمع الألوفُ

        تواعدنا عُكاظ لنـنزلنــهُ

                ولـم تشعر إذن أني خليـفُ

  ومن هذه الألوف كان التاجر ، والخطيب والشاعر ، والبعيد والقريب ، والمسافر والزائر ، وكان الخائف والآمن ، والموتور والواتر ، كان أيضاً الكبير والصغير ، والطفل والشاب والشيخ والمسن من المعمرين ، كانت عكاظُ مسرحاً كبيراً يتسع لجميع الفعاليـات في الحياة العربية في العصر الجاهلي .

تجـارة وإعــلام وثقـافـة

        لقد كانت عكاظ علماً بارزاً في جزيرة العرب ، وموسماً إعلامياً ، وسوقاً تجارية ، ونـدوة فكرية ، ومنتدى اجتماعياً ، بل إن سوق عكاظ لتستطيع أن تستوعب ما شـئنا من النشاطات الإنسانية في ذلك العصر ، فهي الجزيرة العربية ذاتها بسكانها ، وضعت محصورة بمكان السوق مختصرة بزمانه ، هي كيان مستقل له حكومته ، وله قضائه، وله حُراسه، وله نظامه، يضم شرائح من جميع قبائل العرب التي كانت تنحاز في السوق ، في منازلها ، وتحت راياتها "تضبط كل قبيلة أشرافها وقادتُها ، يدخل بعضهم في بعض للبيع والشراء ، ويجتمعون في بطن السوق ".

        وقد كانت العرب تنتهزُ فرصة هذا الموسم ، لتأتي بشعرائها وخطبائها ، ليكونوا لسانها في السوق ، حيث التفاخر والتنافر، وإنشاد الشعر، وإنشاد الخطب ، والتسابق على الفوز بين الشعراء ، افتخاراً بفصاحتها على من يحضر الموسم من شعراء القبائل ".

        وكان الشعراء يحرصون على حضورها، وإنشاد أشعارهم فيها ؛ لأنها إذا استُجيدت نُشرت في السوق، ثم طافت أنحاء جزيرة العرب على ألسنة الرواة والمستمعين فيها " كما كان كل شريف إنما يحضر سوق بلده إلا سوق عكاظ، فإنهم كانوا يتوافون بها من كل جهة ". بل كان يجتمع فيها طوائف الناس من جميع الأحياء فيتعارفون فيها، ويتعلقون بالأخبار بعد التذاكر بها ، والتنسُم لها، وبينهم المواعدات والمقايضات ، والإحن والتراث ، والمنافرات والمناقضات ، فكل فرقة تتجملُ للأخرى ، وتودُ أن تسمع فيها ما ليس عندها من حسن وقبيح ، ومحمود ومذموم ، إلى غير ذلك من الأنباء السائرة ، والأوابد العائرة ، التي يُتهادى بهـا ، ويُستطرف وقوعها ، ويتبلغُ باستماعها وأدائها .

        لقد كانت سوقاً شاملة لا تكاد ترقى إليها الأسواق الكبرى في زماننا الحاضر ، ولا المراكز التجارية التي تعقد في كبريات المدن الحديثة ؛ لما في عكاظ من نشاطات وفعاليات جُمعت في مكان واحد ؛ ففيها البيعُ والشراء ، وفيها تبادل للأسرى وافتداء ، وفيها الصلحُ وإنهاء العداء ، وفيها الشعُر والخطابة ، والتبشير والدعاية ، وإعلان الأحلاف ، وخلع الأجلاف ، وإصدار الحكم لرفع "فمن كانت له حكومة ارتفع إلى الذي يقوم بأمر الحكومة ، وكان الذي يقوم بأمر الحكومة في هذه السوق ، أُناس من بني تميم ، وكان أحدهم الأقرع بن حابس " فكم من أحداث وقعت في هذه السوق ، فسُجَّلَت على صفحات التاريخ ، وكم من مواقف شهدتها تؤكد تزعم عكاظ لبقية أسواق الجزيرة العربية ، لما كان فيها من نشاط تجاري ، ونشاط اجتماعي ، وسياسي وحربي ، ونشاط أدبي يدخل كله في إطـار الإعلام في ذلك العصر .

 إنتهــاء عكـاظ

        إضافة إلى ما تقـدم ، فإن هذه السوق " لم تكن فيها عشور ولا خفارة " لأنها تقع في حدود الحـرم في الزمان والمكان ، وقد استمرت هذه السوق قائمة تؤدي دورها حتى بعد ظهور الإسلام ، وإن كانت قد رقت لاختلاف الظروف في العصر الإسلامي عنها في العصر الجاهلي ، وانشغال الناس بالفتوحات ، ولهذا استمرت السوق ولكن ليست بالصورة التي كانت عليها في العصر الجاهلي أيـام الكفر والشرك ، والمشاحنات والحروب ، إلى أ " تركت عام خرجت الحرورية بمكة مع أبي حمزة المختار بن عوف الأزدي الأباضي في سـنة تسع وعشرين ومائة ، فقد خاف الناس أن يُنهَبـوا ، وخافوا الفتنة فتُرِكت " ذلك اليوم .