مجلة شهرية ثقافية منوعة تصدر عن نادي تراث الأمارات

تـراث الصحـراء والبـداوة في الثقـافة الغـربيــة

       أ.د محمــد الدعمـي

        حظي البدو باهتمام يستحق الملاحظة في الثقـافة الغربيـة منذ بواكير الوعي الغربي بالعرب والذي تجايل مع العصر الذهبي لحركة الاستعمار. بيد أن هذا الاهتمام يتجذر عميقاً في الإهتمام الأوربي الوسيط بالإسلام اثر توسع حركة الفتوحات الإسلامية وظهورها تهديداً عسكرياً وفقهياً لأوروبا القرون الوسطى المبكرة . وبرغم هذا التاريخ الطويل لصورة البدو وتقاليدهم الاجتماعية في الثقافة الغربية، ينبغي للمرء تأشير الخطأ الذي وقع فيه بعض المهتمين العرب حين عدّو الاهتمام بالبدو والبداوة جزءاً من إفرازات علم الإنسان Anthropology ، ذلك أن أصول الإعجاب الغربي بالحياة العربية في الصحراء تعود إلى اهتمام أصيل ، لم يعبر عنه المختصون بالعلوم الاجتماعية ، بقدر ما وجد أفضل تعبيراته في إعلانات قادة الفكر ومشكلي الرأي العام من المفكرين الغربيين ، كما سنبين في هذه الدراسة لاحقاً .

        واحد من أقدم تعابير الاهتمام بالبدو يعود إلى عام 1734 حيث كتب (جورج سيل) Sale مقالته "الاستهلالية " لترجمته ذائعة الصيت للقرآن الكريم. وتنبع أهمية هذا الإعلان من أن "سيل" لا يعبَّر عن آرائه بالعرب فقط ، بل من أنه ينقل آراء قدماء الأوروبيين حول هذا الموضوع .فقد جاءت آراؤه هذه في سياق تفنيد الرأي الغربي القائل بأن عرب الصحراء (في عصر الرسالة) كانوا مجرد مجاميع من اللاهثين وراء الانتقام والغنائم ، الأمر الذي اضطره إلى إبـراز السجايا الطيبة لعرب الصحراء ، قائلاً :

        "لم تكن هذه سجايا العرب الجديدة فقط ، فقد امتدحهم القدماء لدقتهم المتناهية في الالتزام بكلمتهم ، وفي احترامهم لأبناء جلدتهم ، كما اشتهروا دائماً بسرعة البديهة وبالعمق وبحيوية الذهن المتقد، خاصة هؤلاء الذين يعيشون في الصحراء " .

        وإذا كان رأي (سيل) هذا إشارة مبكرة ، تسبق عصر الثورة الصناعية ، إلى حقائق حياة العرب في الصحراء ، فإن آراء "توماس كارلايل" Carlyle " حول عرب الصحراء تعد شاخصاً كبيراً في التاريخ الغربي للعرب وللإسلام . ففي سياق دفاعه عن شخصية الرسول الكريم محمد e، ذهب كارلايل إلى إبراز البطولة الجماعية لعرب الصحراء بوصفها شرطاً مسبقاً لبروز البطولة الفردية مجسدة في شخص الرسول الكريم e لقد أكد كارلايل أن عرب الصحراء هم :

        " شعب موهوب يمتاز بمشاعر جيّاشة قوية ، وبتحكم فولاذي بهذه المشاعر ، وهذه هي سجية الذهنية النبيلة والعبقرية. فالبدوي الصحراوي يرحب بالغريب في خيمته..وحتى لو كان من ألد أعدائه ، فإنه سيذبح فرسه ليكرمه، كما سيخدمه بمضيافة مقدسـة لثلاثة أيـام، وسيضعه على جادته بصدق " .

        وهكذا يحاول كارلايل أن يسبر غور الشخصية البدوية ، موصلاً بين البيئة القاسية ونمط الحياة الصعبة ، وبين الصحراء وعمق التأمل ، وبين الأفق اللامنتهي وصدق المشاعر ، مستأنفاً جدله بقولـه :

" فبالتأكيد ، أن هؤلاء العرب الذين من بينهم ولد محمد ، أمة جديرة بالاهتمام . بلادهم نفسها جديرة بالاهتمام ، فهي المستقر المناسب لمثل هذا العنصر . جبال صخرية كأداء صعبة المنال ، صحارى عظيمة متجهمة ، تتخللها بقاع خضراء نضرة ، أينما يتوافر المـاء، تلقى الخضار ، الجمال، شجيرات البلسم العطرة ، النخيل ، أشجار اللبان ، تأمل ذلك الأفق الشاسع ، الفارغ، من الرمال ، خالِ ساكن ، كبحر رملي ، يفصل بين مستقر وآخر . فأنت تكون منفرداً هنالك ، متروكاً لوحدك إزاء الكون ، تلهبك شمس قاسية خلال النهار بإشعاع لا يطاق ، وفي الليل أمامك السماء العظيمة العميقة بنجومها. بلد مثل هذا يتوافق مع عنصر بشري رشيق الحركة ، عميق القلب. ثمـة شيء عظيم الفطنة ، حيوي ، وهو مع هذا شديد التأملية والاندفاعية ، في الشخصية العربية " .

الحـرية هــي الهـدف

        وإذا كان كارلايل يحتج ضد المفاهيم الغربية الخاطئة عن الإسلام ، في محاضرته هذه " البطل نبيـاً : محمد "، فإن المستشرق (ريشارد بيرتن) Borton قد قضى أكثر من خمس وعشرين سنة من حياته في ترجمة ألف ليلة وليلة ( ثمانية أجزاء ضخمة) مستوحياً هذا الاهتمام من إعجابه الكبير بالحضارة العربية الإسلامية ، التي رفدت العالم بواحدة من أفضل جواهر الثقافة الفلكلورية المجهولة المؤلف. بيد أن (المقالة الختامية) لهذا العمل الترجمي العملاق ، لا تعبر عن (إعادة تركيب) صورة الحياة العربية فحسب، بل تعكس كذلك افتتان بيرتن بالشخصية العربية بضمن مهادها الصحراوي الهائل ، الأمر الذي انعكس على نظرة العربي للحياة ولكرامة وعـزة النفس. لم يكن بيرتن، بطبيعة الحال، يورد هذه السجايا المهمة لشخصية الإنسان البدوي لاسـتعراض معلوماته فقـط، بل كان كذلك يبرز مبدئية هذه الشخصية نقـداً للذهنية ( النفعية ) المعـادية Utilitarianism التي كانت سائدة في العصر الفكتوري .إنه كان يريد أن يُري القارئ البريطاني ، والغربي عامة ، بأن هناك ثمة إنسان مختلف تماماً عن العقل المادي وحيد الجانب . لنلاحظ تعليقه على حياة الإنسان العربي في عمق الصحراء :

        " لأنها قصيرة : كان هدف الحياة العربية هو أن (تكون) أن تكون حراً ، أن تكون شجاعاً ، أن تكون حكيماً . بينما كانت جهود الشعوب الأخرى ، ولم تزل ، تنصب في أن (يمتلكوا) أن يمتلكوا الثروة ، أن يمتلكوا المعرفة ، أن يمتلكوا اسماً ...وأخيراً كانت نهاية الإنسان العربي دائماً مشرفة كما كانت حياته مثيرة : قليل من البدو أصابهم سـوء حظ الموت على فراش من القش " .

        لقـد كان بيرتن ، سوية مع كارلايل وإرفنغ من بين آخرين يرجون ليقظة الاهتمام بالحياة العربية في الثقافة الغربية ، بدرجة ظهور وشيوع تعبيرThe Matter of Arab الذي يوظف لتوصيف نتاجات ثقافية وفكرية ازدهرت في عصر الثورة الصناعية . ولكن أدوار مثل هؤلاء المفكرين والمستعربين لم تكن محدودة فقط بجهد تصحيح الصورة الغربية للعرب، بل كانت كذلك ملعباً وخلفية فكرية لعدد من الكتاب الذين أرادوا أن يمتصوا معرفتهم بالبادية لتأدية (دراما) الطموح الشخصي .فقد تم توظيف المواد العربية (البدوية خاصة) أرضاً بكراً وفضاءً واسعاً يمكن أن يجهز هؤلاء الكتاب الطموحين بأفكار جديدة لم يسبقهم إليها أحد . لاحظ الرسالة الشخصية التي أرسلها (تشارلس دوتي) Doughty إلى زميله المستعرب(هوغارث) Hogarth عارضاَ فيها دوافعـه فـي تأليف كتابه العملاق ( الصحارى العربية )Arabia Deserta

" لقد كانت مجلدات (الصحارى العربية ) تنطوي على بُعد شخصي ، فواحد من الأسباب الرئيسة لتأليفها ، إضافة إلى اهتمامي بحياة الساميين داخل الخيام، هو بعض للإنكليز الفكتوريين ، ذلك أني تمنيت أن أبين أن هناك شيئاً آخر " .

        كما أكد دوتي في خطاب آخر إلى زميله ومريده (هوغارث) على تطلعات مكافئة ، كالميل إلى الاشتهار والرغبة في إغناء الأدب الإنجليزي ، مميطاً اللثام عن أن الكتابة عن حياة البدو وتقاليدهم يمكن أن تيسر له إحياء التفوق الأدبي الذي امتازت به اللغة الإنجليزية في العصر الوسيط.

        " لم تكن نيتي الرئيسة في تأليف ( الصحارى العربية ) هي عارض لرحلات شخصية بين أبناء شعب ذي أهمية توارثية ، بقدر ما كانت تتجلى في بذل الجهد المثالي لاستئناف التقليد الأقدم الذي أرساه الشعراء جوسر وسبنسر، مقاوماً بكل ما أوتيت من قوة تردّي اللغة الإنجليزية : فبينما يتوجب لعملي أن يكون مهماً بالنسبة للمستشرقين ، فإنه يجب أن يكون مساهمة حياتي ، حتى اللحظة في الأدب " .

أنمـوذج عمـر

        أما على الجانب الآخر للمحيط الأطلسي ، فإن المستشرق الأمريكي الأول (رالف والدو إمرسون) Emerson غالباً ما كان يضمن مقالاته الفكرية الشهيرة بإشارات إلى الحياة العربية في الصحارى. والحق، فإن هذه الإشارات قد وظفت ، ليس في خدمة العرب، بل في خدمة الجمهورية الأمريكية الفتية ، حيث مثلت بساطة الحياة العربية وتقشفها دروساً لا يمكن الاستغناء عنها، بالنسبة للشبيبة والنشء الأمريكي. لقد كان توظيف إمرسون لهذه المواد عصاً لضرب ميل الساسة الأمريكيين إلى مباهج الحياة وعلامات الأبهة والتفاخر غير المجدية . لنلاحظ استحضار صورة الخليفه (عمر بن الخطاب) رضي الله عنه ، مناقضاً صارخاً لأمثال هؤلاء الساسة .

        " لقد أوقعت عصا الخليفه (عمر بن الخطاب) الخوف في قلوب هؤلاء الذين شاهدونا ، على نحو يفوق سيف أي رجل آخر .كان غذاؤه من خبز الشعير ، وصلصته من الملح ، وفي حالات كثيرة ، كان يتناول خبزاً بلا ملح على سبيل التقشف.كان شرابه هو الماء ، وكان بلاطه مبنياً من الطين ، عندما غادر عمر

 المدينة في طريقه لفتح القدس ، كان يمتطي جملاً أحمر يحمل كيس غذائه المعلق في سرجه وقنينة ماء ، إضافة إلى كيسين ، يحتوي الأول على الشعير ، بينما يحتوي الثاني أثمـاراً مجـففة " .

        ومما يلفت النظر هنا هو تقديم إمرسون عرب البادية ( برغم شرقيتهم وساميتهم وعدم تقدمهم التقني آنذاك) بوصفهم أناساً حافظوا على سجايا احترام النفس والكرامة ، وهو تعبير يعكس ما يحمله القارئ الأمريكي من أخطاء مفهومية وصور مشوهة عن العرب .فإذا كان القارئ الغربي يعتقد بأن الغربيين فقط هم الذين يمتلكون مثل هذه السجايا النبيلة ، فإن إمرسون يعلمهم بأن العرب في الصحراء لا يقلون عن الغربيين ، بل ويزيدونهم ، في هذه الصفات الجليلة.

        يتّصف شيوخ القبائل العرب ، وهم من أكثر الناس اعتزازاً بكرامتهم على سطح كوكبنا بالكثير من احترام النفس ، كما هي الحال الإنجليز . إنهم قادرون على أن يتركوا انطباعاً عميقاً في الرجل الفرنسي أو الأمريكي الذي يزورهم ، تعبيراً عن الاحترام الذي يستحقه الرجل الشجاع الذي لا يحتاج لشيء .

        لا تخفق أية قـراءة متأنية للأدبيات الثقافية الغربية في إماطة اللثام عن إعجاب واضح بالحياة البدوية ببساطتها ومبدئيتها ، وهو إعجاب عبرت عنه أذكى العقول الغربية التي لم تزل تُدرس وتقرأ من قبل الغربيين والشرقيين على حد سواء . بيد أن أهمية مثل هذه التعبيرات الثقافية لا تمكن في "الإعجاب" المجرد بـ" الآخر" البعيد والغريب ، بقدر بروزها كأدوات فكرية لنقد الحاضر الغربي ، ولاستحضار العلاجات الناجعة لمشاكله الاجتماعية ، فضلاً عن وظيفتها في إصلاح تراث غربي زاخـر بالتشويه وبالصور المهمشة للحياة العربية .