مجلة شهرية ثقافية منوعة تصدر عن نادي تراث الأمارات

رمضان في الامارات ومصر والسودان وفي سوريا

 

رمضــان في الإمـارات

وللحديث عن رمضـان في بعض الدول العربية نبدأ بالحديث عن رمضان في الإمارات ..حيث تزدحم الأسواق مثل بقيـة المدن العربية والإسلامية عند حلول الشهر الفضيل بالمتبضعين ، ويبرز ذلك للعيان من إعلان غُرة رمضان حيث ينهمك الناس فيه بشراء حاجياتهم من الأطعمة الخاصة بفطور وسحور الصائمين ، وشراء اللحوم والفواكـه المختلفة. وتنتشر موائد الإفطار الجماعي في الفريج الواحد(الحـي) لتفطير الصائمين ، وعادة ما يكون الطعام من الهريس والثريد، علاوة على اللقيمات والساقو، والكاستر، وغيرها من الحلويات والفواكه مع شـرب القهـوة والشاي .

        وكما تنتشر المجالس في منطقة الخليج، وتعرف باسم ميلس (مجلس) أو ديوانيه ، وتنظم على فرش يوضع على الأرض كالسجاد عند الموسرين، أو بوضع حصيرة عند متوسطي الدخل ، وكانت ومازالت لها نكهتها التي لا تنسى ، حيث كانت في الماضي ملتقى أهل المنطقة يتبادلون أحاديث الغوص والأسفار أو لإنشـاد الشعر ، حيث كان الحاضرون في المجلس يطلبون من الشعراء الحاضرين إنشادهم أحدث ما نظموه.

الشـعر مـادة خصبـة

        وعادة ما يكون الشعر مادة خصبة ضمن المجالس طيلة ليالي الشهـر الكريم ، وكان يعقد للشعر مجلس بليلتين في الأسبوع الواحد، وتتباين أغراض الشعر الملقي في الليلتين من شاعر إلى آخر ، وغالباً ما كان الصغار يحضرون هذه المجالس ويستمعون إلى شعر وحديث الكبار لأن المجالس كما قيل مدارس. وتتضاعف في الشهر المبارك الزيارات العائلية حيث تمتد الجلسات والسهرات فيه حتى أذان الفجر .

        وكان الناس فيما مضى يقضون يومهم في مزارعهم لمن يمتلكون نخيلاً ..أو تحت شجرة اتقاء للحر ..ويعودون من أعمالهم عصراً حيث تكون السيدات قد جهزن طعام الإفطار الذي يكون في الغالب جماعة في بيت كبير العائلة أو القرية حيث يأتي كل بمـا تيسر له، وعقب صلاة المغرب يجلسون في حكايات وسمر إلى أذان العشاء حيث يصلون العشاء والتراويح..ثم جلسات تمتد إلى قرب السحور يقرأون القرآن الكريم، بعدها يذهب كل منهم ليتسحر في بيتـه استعداداً ليوم جديد من الصيام .

        وكانت العشر الأواخر من هذا الشهر هي أيام الاعتكاف حيث يتجـه الصائمون بكل خشوع وإخلاص إلى الخالق الكريم بقلوب يعمرها الإيمان لطلب رضـاه ومغفرته وليحيوا تـاج الليالي ليلة القدر المباركة. وتستعد النساء خلال هذه الأيام لترتيب وتنظيف البيت وعمل بعض الحلويات والأكلات الخاصة ، ولشراء الملابس الجديدة للأولاد والبنات لاستقبال عيد الفطر المبـارك .

       د. خـالد عـزب

رمضـان فـي مصــر

        لرمضان في مصر ملامحه الخاصة . ففي يوم (الركبة) أو يوم ارتقاب هلال رمضان ، يجتمع في مصر فقهاء المدينة ووجوهها بعد العصر من اليوم التاسع والعشرين من شعبان بدار القاضي ويقف على الباب نقيب المتعممين ، وهو ذو شـارة وهيئة حسنة فإذا أتى أحد الفقهاء أو الوجوه تلقاه ذلك النقيب ، ومشي بين يديه قائلاً بسم الله .. سيدنا فلان ، فيسمع القاضي ومن معه، فيقومون له، ويجلسه النقيب في موضع يليق به ، فإذا تكاملوا هناك ركب القاضي ، وركب من معه أجمعون ، وتبعهم جميع من في المدينة، وينتهون إلى موضع مرتفع خارج المدينة ، وهو مرتقب الهلال عندهم، وقد فرش ذلك الموضع بالبسط والفرض ، فينزل فيه القاضي ومن معه ، فيرتقبون الهلال ثم يعودون إلى المدينة بعد صلاة المغرب .

        وما إن تقرر بداية الشهر حتى تنشط المدينة ليلاً فتشعل الشموع والفوانيس في الشوارع والأسواق والطرقات وبأيدي الناس ، وتنتعش الحياة في سـوق الشماعين انتعاشاً كبيراً ، فكل حوانيته مفتوحة حتى منتصف الليل ، ولا تنقطع فيه الحركة أبداً ، بين الراغبين في الشراء أو النزهـة. كان هذا وصف استقبال أهل مصر في القديم لشهر رمضان كما صّوره الرحالة المغربي ابن بطـوطة .

        ونسمع في هذا الجانب وصفاً سجله الكاتب الإنجليزي ( إدوارد لين بول) في سنة 1240هـ يقول فيه : " إن العـادة جرت في مصر ليلة الرؤية بأن يسير موكب المحتسب ومن معه من مشايخ كثير من الحرف كالفحاتين والخبازين والجزارين والزياتين وباعة الفاكهة مع غيرهم تصحبهم فرق الموسيقى وجماعة من الجند من القلعة إلى بيت القاضي وينتظرون من يشاهدون الهلال ، وإن الطرق لتزدحم ازدحاماً شديداً بهم وبالحشود الذين يتدافعون بالمناكب لمشاهدتهم ، ويتقدم الجنود ممن يحملون المشاعل ، وفي عودة الموكب يتقدمه الجند وأتباعهم ثم المحتسب ، وعند سماع خبر الرؤية يعود بعض الجند إلى القلعة ويطوف الباقون في أحياء القاهرة وهم يرفعون الصوت قائلين: يا أمة خير الأنام ، صيام صيام ، فإذا لم يظهر الهلال ولم تثبت الرؤية قالوا : فطار فطار "، ويؤكد هذا القول نص آخر يرجع إلى أكثر من مائة عام نشرته صحيفة الفلاح تصف فيه طبيعة استقبال شهر رمضان من مبنى محافظة القاهرة ويقول النص: " وأخذ بعض أرباب الحرف يفدون إليها طائفة بعد أخرى ، فلما اكتمل الجميع توجهوا بنظام واحتفال عظيمين يحتاطهم فوارس البوليس ومشاتهم ويتخللهم بعض العساكر، ويصحبهم المختص لاحتفال الرؤية ، مارين بشارع محمد على فالحلمية ، فسوق السروجية فالغورية ، حتى وصلوا إلى ميدان المحكمة الشرعية لانتظار إثبات رؤية الهلال ، وكان شيخ الإسلام وقاضي أفندي وكثير من مستخدمي المحكمة حاضرين ، فتقدم إلى حضرة شـيخ الإسلام أشخاص لتأدية الشهادة أمامه، فردهم ولم يقبل إلا بشهادة اثنين: أحدهما الميقاتـي بالجامع الحسيني ، والثاني أحد كتبة المحكمة ، فقال الأول إنه رآه بعد الغروب ، والآخر رآه من شباك المحكمة عندئذ حكم الشيخ ببداية رمضان المبارك ، أرسل الخبر إلى المعيـة السنية ، ومنها إلى القلعة، فأطلقت المدافع عند الساعة الثالثة إيذاناً ببـدء شهر الصيام، فازدانت المساجد بالمصابيح وتكللت المآذن بالأنوار ، وضجت الأهالي بالسرور، وهرع مأمور الحكومة والذوات والأعيان إلى سراي عابدين لتأدية رسوم التهنئة إلى جناب الوالي " .

        وفي الحقيقة إن لرمضان مذاقاً خاصاً لدى المصريين، وعادات ارتبطت به، وعاشت وقاومت الزمن، وحافظت على نفسها من الاندثار مثل الحرص على التجمع حول موائد الإفطار والسحور وقضاء الوقت بينهما في السمر والعبادة والحرص على تلاوة القرآن الكريم كاملاً في أثنـاء هذا الشهر وأداء الصلوات وصلاة التراويح في المساجد .

        وترتبط برمضان في مصر أنواع من المأكولات والحلوى كالكنافة والقطايف ولقمة القاضي ، كما يحرص المصريون – حتى هذه الأيام- على صنع الكعك وخبزه في منازلهم في الأفران في الأسبوع الأخير من رمضان ، في الوقت نفسه يخرج الرجال لأداء صلاة العشاء والتراويح .

        ومن المظاهر الجميلة المرتبطة بشهر رمضان حتى هذه الأيام ، اهتمام القادرين بمـوائد الإفطار في الشوارع والطرقات وأمام المنازل والحوانيت لإطعام أي فقير أو غريب أو عابر سبيل لحظة انطلاق مدفع الإفطار .

 

رمضـان فـي السـودان

الاستعدادات للصيام قبل شهرين كاملين، فمع بدايـة شهر رجب والذي يسمونه رجب الخير يبدأ البعض في الصيام، ومن السودانيين من يصوم شهري رجب وشعبان كاملين ومعظم الناس يصومون أغلب شهر شعبان ويسمون هذا الشهر "قصيراً " اعتقاداً منهم أن هذا الشهر يمر سـريعاً .

        ففي الشهرين السابقين لرمضان تجرى استعدادات كبيرة لهاذ الشهر تشمل إعداد الأطعمة الخاصة برمضان وتهنئة أماكن الراحة والصلاة وأماكن الإفطار. وأهم ما يعد ويصلح لرمضان الرواكيب وهي مبان من القش والطين تنصب أمام الفرن وهي معروفة بنسيمها العليل الطيب توضع فيها " العناقريب" وتفرش ويقضون فيها جل النهار وينامون بعد الظهر ، وفي شعبان يعد إصلاح هذه الرواكيب بتجديد البروش والقش ويزخرفونها . وفي القرى يجري إصلاح الآبار التي يشربون منها وتسمى عملية الإصلاح "قلع وتكحيل" البئر حتى يؤمنون حاجاتهم من الماء خلال الشهر ولا يضطرون لعمل شاق إذا استدعى الأمر إصلاح البئر في شهر رمضان. وبعد ذلك يشترون البروش الجديدة والتي يصلون ويفطرون عليها ويتسامرون خارج المنزل ، ويقوم أهل الحي بإصلاح المسجد وتجديده بالبناء والطلاء وتجديد فرشه وكذلك يصلحون الخلاوي وهي أماكن تدريس القرآن الكريم والعادة التي يتمسك بها السودانيون هي تناول الإفطار في الطرقات وخارج المنزل ويقومون بشراء ما يلزم لذلك .

ولمائدة رمضـان بعض الأواني الخاصة أهمها (الكورية) وهي إناء مستدير تكون فتحته أكبر من قاعدته ويشربون بها الليمون والحلومر والأبري..ثم يشترون (الجرادل) الصغيرة وهي إناء يسع حوالي 3 لترات تحمل المشروبات إلى مواقع المائدة ويشترون (الكوز) وهي إناء تغرف به المشروبات ثم يشترون الصحن الخاص لأكل (البليلة ) وهو ملون ومتوسط الحجم .

        ويطلق السودانيون على كل الأطعمة التي يصنعونها في رمضان اسم (موية رمضان) وموية تعني الماء، وهذا الاسم يدل على المأكولات والمشروبات معاً ، ومن أهم مشروبات رمضان (الأبري)و(الحلومر) عملية إعداده تمر بعدة مراحل ، وتبدأ منذ شهر قصير أو شعبان .

        ويصنعون (البليلة) وتعد من الذرة والكبكبية وهو الحمص وتؤكل قبيل الإفطار في رمضان وقد تؤكل مع التمر، ويضعون فوق البليلة عدة تمرات ، وفي الريف يصنعون البليلة من (اللوبيـا) .

        ومن الأطعمة الهامة في رمضان العصيدة وتسمى (اللقمة) وهي عجينه من الذرة تترك حتى تتجمد ويصب عليها الملح وتؤكل ساخنة عند الإفطار ولا تخلو مائدة في رمضان من هذه (العصيدة).

        ومن العادات القديمـة التي يحافظ عليها كثير من السودانيين حتى الآن ، إرسـال (موية رمضان) إلى المسافرين من الأهل والأولاد أياً كان البلد الذي سافروا إليه. وتهتم والدة الفتاة المخطوبة بإرسال موية رمضان  التي يحافظ عليها كثير من السودانيين حتى الآن ، إرسـال (موية رمضان) إلى المسافرين من الأهل والأولاد أياً كان البلد الذي سافروا إليه. وتهتم والدة الفتاة المخطوبة بإرسال موية رمضان إلى خطيب ابنتها ، وهي بعد الزواج تحرص على إرسالهـا وتكون غالباً من التمر الجيد والأبري والحلومر والرقاق وتوضع في ( فقـة) وتبعث إلى أهل الخطيب، وترسل معها بعض الآنية الخاصة برمضان ، وهي ترمز إلى مقدار حبهم للابن البعيد أو زوج البنت أو خطيبها ، وإذا كان المرسل إليه عروساً أو خاطباً في مكان قريب فإن مجموعة من النسوة يحملن هذه الأشياء ويذهبن بهـا ومعهن والدة العروس .

الأسـبوع الأخـير

        وفي آخر أسبوع من رمضان يبـدأ الاسـتعداد لعيد الفطر وتخرج زكاة الفطر وتوزع على الفقراء ليتمكنوا من الاستفادة منها قبل العيد. ثم تصنع الملابس الزاهية الجميلة وملابس الأطفال تكون زاهية وملابس الكبار تكون من جلابية بيضاء وعمامة وشـال وطاقية ومركوب أبيض (حـذاء ).

        والذين توفي لهم أحد أفـراد الأسرة في العام المنصرم فإن النسوة يصنعن طعاماً يوزعنه كصدقة جارية له ، وفجـر العيد تقوم النساء من أهله بأخذ كميات من التمر والفطائر عليها سكر ويذهبن بها للقبر ويأتي الفقراء والأطفال ويأخذونها .

        وصلاة العيد في السودان يعتبرونهـا واجباً على كل شخص حتى الذين لا يصلون خلال العام تكاسلاً فهم يحضرون للصلاة وبعدها يذهبون لتناول الإفطار في المسجد أو الخلوة أو منزل أحد الوجهاء ، وفي هذا الإفطار يسرع كل الذين لهم خصومات ويصلحون بينهم ، ويقول المتخاصمون لبعضهم " اعفوا عنا " ويرد الآخرون " عافيناكم" وبعدها يخرج الرجال في جماعات بلباسهم الأبيض وعمائمهم ويطوفون على المنازل لمباركة العيد حيث تُـوزع الحلوى والكعك والتمر ويستمر ذلك إلى أن يجوبوا الحي كله .

 

 رمضـان في سـورية     

لشهر رمضان في دمشق خصوصيته وسحره.. سلسلة من العادات والتقاليد لم يمحها الزمن، ولم تفسدها معطيات الحضارة الحديثة، ولا سيما في أحياء دمشق القديمـة وأزقتهـا وحاراتهـا وزواربيها ، التي تعكس طيبة وكرم وأصالة شعبها الطيب .

        في اليومين الأخيرين من شـهر شعبان يترصد الناس هلال رمضان ، ولهذا الترصد طقوسه وأحواله وشروطه، وما أن يثبت هلال الشهر الكريم حتى تلبس دمشق حلتها الجميلة ابتهاجاً بقدوم هذا الشهر المبارك .. والذين أرخوا لهذا الشهر كان ما كتبوه مرآة لمشاهداتهم وذكرياتهم الجميلة عنه، وكما ورد في الحديث فإن رمضان " أوله رحمـة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار"، وفي التراث الشعبي تناقل الناس عبارة " العشر الأول منه مرق" حيث يستعد الصائمون لتهيئة ألوان الأطعمة والأشربة، و"العشر الثاني خرق" حيث يستعد الناس لتجهيز الألبسة الجديدة لعيد الفطر السعيد ،و" عشره الثالث ورق" كناية عن البدء بتحضير ألوان الحلويات .

ألـوان من الطعـام والحلوى الدمشـقية

        وانطلاقـاً من هذه المقولة تحفل موائد الإفطار بألوان خاصة من الأطعمة والأشربة غالباً ما تشارك الأسرة جميعاً بإعدادها ، حيث الأكلات الدمشقية المعروفة كلبسمشكات والششبرك والفول المدمس والفتوش والفتات بأنواعها وغيرها.. وتغني موائد الإفطار بمـا يتبادله الجوار مع بعضهم من الأطعمة (المساكبة) ، ولا ينسى الدمشقيون الأشربة المتنوعة كالتمر هندي والعرقسوس والتوت الشامي واللبن العيران.. التي توضع في أباريق شفافة حول البحرة في صحن الدار ، في جو ممزوج بعبـق أشجار الليمون والكبّاد والنارنج ، وينتظر الجميع موعد الإفطار حيث كان ينطلق من ساحة المهاجرين. أحد أحياء دمشق العريقة صوت مدفع الإفطار ، الذي كان يُحمل على عربة عسكرية ليستقر في سفح جبل قاسيون طيلة الشهر المبارك، وتنطلق أصوات المؤذنين من مآذن دمشق بعد أن يؤذن لها من خلال الإشارات الضوئية أو البالون من مئذنة الجامع الأموي .

" اللهم إني لك صمت ، وعلى رزقك أفطرت ، ذهب الظمأ وابتلت العروق ، وثبت الأجر إن شاء الله ".        

بهـذا الدعاء الجميل الذي ينطوي على الوفاء والولاء وشكر النعمة ، يشرع الصائمون بتناول إفطارهم ، وبعد الانتهاء من تناول طعام الإفطار ، الذي تكثر فيه الدعوات والولائم ، يخص الصائمون أنفسهم بالحلويات الرمضانية كالبقلاوة والقطايف وكول واشكور والنهش والكنافة المدلوقة والمغشوشة والبصمة والبرازيق والغربّبـة ويحتسون الشاي الأخضر .

        ويتناولون– بعد ذلك- المأكولات والمعجنات الرمضانية كالجرادق والمعروك وليلة الله وغيرها كل ما تشتهي نفسه .

سهـرات رمضـانية

        وبعـد أداء صلاة التراويح التي اختص بها شـهر رمضان ، تعقد السهرات الرمضانية الجميلة التي تُمضى بالألعاب الحلوة والأحاجي والألغاز والحزازير ولعب البرسيس ، وبعضهم يذهب إلى المقهـى ، حيث يتحلقون حول الحكواتي أو يشاهدون قرة قوز أو مباريات السيف والترس ، أو يلعبـون لعبـة المردان وهم يرشفون الشـاي ، أو يذهبون إلى صحن الجامع الأموي أو إلى جامع المولوية قرب محطة الحجاز ، ليشاهدوا فرق الدراويش (المولوية) وهم يرقصون وينشدون بأسلوب خاص ممتـع .

        وتجدر الإشـارة أنه في الجمعة الأخيرة من شعبان قبيل حلول شهر رمضان ، يخرج الناس إلى المنتزهـات يأكلون ويشربون ويتسامرون وهو ما يسمى (تكريزة رمضان) ، ويروي ماجد اللحام في كتابه (دمشق في نصف قرن) أنه في الأربعينيات ألمت بالناس المنتشرين على ضفاف بردى ، عند الربوة ، في تكريزة رمضان حادثـة مؤلمـة، عندما هطلت الأمطار فجـأة وارتفع منسوب مياه النهر فجرفت الناس والأمتعة وهرعت فرقـة الإطفـاء لتقديم المساعدة .

 الأطفـال وصـوم رمضـان

        ولصـوم الأطفال في شهر رمضان نكهة خاصة حيث يصرون على إيقاظهم وقت السحور ، ليس لمشاهدة المسحّر الذي يشكل ظاهرة فلكلورية بديعـة بفانوسه وطبلته وسلته ، التي يجمع فيها ألوان الأطعمة ، بل في محاولة للدخول في دائرة الكبار وممارسة الصوم، وكان الأهل يسعون لإقناعهم بالصوم فقط حتى أذان الظهر (درجات المئذنة)، وعندما يصوم الطفل كامل النهار تحتفل أسرته بهذا الإنجاز وتغدق عليه الأعطيات، ويتولى والده حمله على ظهره والسير ابتهاجاً وسروراً .وكان الأطفال الصائمون يعيّرون لداتهم من غير الصائمين بأهزوجة جميلة مطلعها: " يا مفطر يا بم، يا بزاق الدم، دمك دم الخنزير، علقوك بالجنزير ، والجنزير مالو حلقة، علقوك بالمشنقة ، والمشنقة مالها خيط ، زتّـوك (رموك) بنهر قليط (تجمع مياه آسنة).

 طـرائف الصائمين في رمضـان

        وفيمـا يتعلق بالسحور يروي نجاة قصب حسن في كتابه (حديث دمشقي) بأسلوب طريف: أن رجلا (مفطراً ) لا يصوم كان يجبر زوجته.مع ذلك. على أن تقوم فتهيئ له السحور كل ليـلة.

        تضايقت من ذلك وقالت له: هذا الطلب ما له طعمة ، دمت لا تصوم، قال لها:يا امرأة تركنا الفرض تريدين أن نترك السنة ؟

ويروي عادل أبو شنب في كتابه (دمشق أيام زمان) من ذكرياته أنه شهد أحد المسحرين يحمل سلته الممتلئة بالأطعمة إلى سوق العتيق ويبيعها هناك، حيث كان يخرجها من السلة وينشرها أمامه، وكان المشتري يجلس القرفصاء أمام المسحر ويساومه ، وكان هذا يبيـع الطبق بمبـلغ قليل .

         وقد ذكر منيل كيال في كتابه (رمضان في الشام أيام زمان) في أكثر من فصل ، عند الحديث عن شهر رمضان من خلال الأحداث الكبرى التي حدثت في التاريخ العربي الإسلامي في هذا الشهر، وانعكاسات رمضان في الأدب العربي وعادات الناس وتقاليدهم عبر العصور خلاله .

  غسـان كلاس