|
مجلة شهرية ثقافية منوعة تصدر عن
نادي تراث الأمارات
|
مكتشفات أثرية في الجـزيـرة
|
د . محمد رجب السامرائي
دلمـا الواحـة الخضــراء المُوشـحة بالحضـارة
الخـالدة
لعل
الرحلة إلى جزيرة دلمـا هي رحلة شـاقة وشـائقة في الوقت ذاتـه. شـاقة لأن المسافة
بين أبوظبي وجبل الظنـة في المنطقة الغربية كانت عبر التنقل بين الطريق البـري
وركوب البحـر لساعات طوال ، وكونها شـائقة حيث دخلنا إلى جزيرة لها في أسفار
التاريخ حكايات خلدت اسمها في الكثير من الشـواهد والمعالم المكتشفة فـوق ثراهـا
.
إن جزيرة دلمـا التي نسـجت الكثير من الآراء حول تسميتها لدليل على مكانتها في
هاتيك الأيام، ومن ذلك أن موقعها على الخرائط القديمة والموجودة منها في الأطالس
في الدولة نـراه مدون باسم (جزيرة اللؤلؤ)، وكما هو معروف عن دلمـا شهرتها التي
طفقت الآفاق في إنتـاج اللؤلؤ. والرأي الآخر والمستقى من أهالي الجزيرة ومن كبار
السن والذين سمعوه من آبائهم وأجدادهم ، أنه كانت السفن في الماضي تمر وتقف أمام
دلمـا للتزود بالميـاه العذبة التي اشتهرت وعُرفت بها الجزيرة والتي يستقيها
أهلها من آبارها ومن العيـون الجارية في أرضها ، فكان إذا ما سُـئِل أحدهم :
لماذا توقفت أمام الجزيرة كان جوابه هو: أحتاج إلى دلو مـاء فأخذت هذه العبارة
تتكرر كلما تـمّ توقف السفن والمسافرين أمام الجزيرة ، وبمرور الأيام تطورت
الكلمة من دلو ماء إلى دلمـا .
مـن جبـل
الظنـة
كـان الدخول إلى جزيرة دلمـا عن طريق الوصول من أبوظبي إلى جبل الظنة والعبور من
ميناء مغرق عبر وسيلتين هما الدوبة التي تنقل الركاب مع السيارات ، أو عبر
الحوّامة التي تُقل المسافرين مع حاجياتهم الشخصية البسيطة ، ووصلنا إلى الجزيرة
ومنها انطلقنا بالسيارة برفقة السيد (راشد سعيد المزروعي) مسؤول مكتب دائرة
الأشغال العامة في الجزيرة ، والسيد(فتحي محمد عبدالله) مسؤول آثار جزيرة دلمـا
اللذين ذللا لنا الكثير من صعوبات التنقل، وأوصلانا إلى مواقع آثارية لم يصلها
أحد من قبل ، فكانت تراث أول من دخل للتعرف عليها ، وقمنا بجولة في تلك المواقع
الشاهدة على تاريخ وحضارة الجزيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة .واتجهنا مع
مرافقينا صب موقع البركان الذي يُعد مفتاح جزيرة دلما. وحول العصور التاريخية
المتعاقبة التي مرّت على تاريخ الجزيرة قال السيد(فتحي محمد عبدالله) ونحن في
الطريق لزيادة المواقع التي تضمها دلما :
يمثل العصر الحجري القديم (6000 ق.م –3500 ق.م ) أول دليل على وجود مستوطنة
سكانية في الإمارات وتألفت تلك المجموعة السكانية من جماعات بدوية عاشت على الصيد
وتجمع النباتات ، وهناك جماعات استقرت على السواحل وفي الجزر علماً بأنّ التجارة
البحرية قد بدأت وهنالك دلائل على قيام روابط مع حضارة العبيد في بلاد ما بين
النهرين في العراق، واشتملت التنقيبات المستخدمة على أدوات صوافية دقيقة الصنع
وهي من النوع المشطور الوجهين والشائع استخدامه عند العرب وأهم مواقع هذه الحضارة
جبل بحيص وعقب أم القيوين ودلمـا.
مـوقـع
البركـان
وأظهرت التنقيبات الأثرية في دلما إلى وجود مستوطن بشري يعود تاريخه إلى عصر
العبيد في العراق ، إذ كانت هناك علاقات تجارية بحرية متواصلة ما بين الإمارات –
جزيرة دلمـا – وبلاد ما بين النهرين . وبعد أن وصلنا في رحلتنا داخل الجزيرة
زرنـا أول المواقع فيها وهو موقع البركان الذي يعتبر مفتاح الجزيرة . وترجلنا من
السيارة وارتقينا المرتفعات حتى وصلنا إلى فتحـة البركان، الذي قال عنه مسؤول
آثار جزيرة دلمـا: " يُعد موقع البركان أقدم مكان في اليابسة في الإمارات، وينتمي
إلى العصر الكمبري ، أي لمائة مليون سنة ، ويقسم إلى عصور وأحدث عصوره يرجع إلى
مليون سنه، ومن فوائد هذا البركان في دلمـا إخراجه لمعادن من ضمنها معدن يُعرف
باسم (دلموتي) ، ورجح بعض العلماء أنّ اسم الجزيرة مُشتق من المعدن المستخرج من
البركان الثائر ".
عنـد أبـي
عمـامة
بعد ذاك الموقع توجهنا بصحبة المسؤولين نحو تل شاهق يراه الناظر وهو يسير في
أرجاء الجزيرة واقتربنا منه والذي تحيط به أشجار الفواكه المثمرة من كل جانب، حيث
عرفنا بأن لكل تل اسم يُشتهر به في أرجاء الجزيرة مثل هذا التل الذي تقف جواره
وهو تل أبـي عمامة حيث أُتخـذ التل في السابق كمرقب لتهتدي إليه السفن القادمة من
العراق أو من قطر أو شبه الجزيرة العربية قبل سـتة آلاف سنة، وعندما تكون السماء
مظلمة والقمر في المحاق وهو على هيئة الهلال، كانت تلك الليلة تُسمى الليلة
الدلمـاء ، ولذا اشتق الناس من هذا الاسم اسم جزيرتهم .
المغـر
للزينـة والنقـوش
وكانت وجهتنا الأخرى موقع المغر، والذي ألفيناه مكاناً واسعاً تتخلله التلول ولفت
أنظارنا فيه لون تربتـه المائلة إلى اللون الأحمر ، وعرفنا بأن المغر هي مـادة
معدينـة لا يوجد منها سوى في دلمـا وفي جزيرتي طنب الصغرى طنب الكبرى في الإمارات
. ويذكر بأن الأقدمين من سكان الجزيرة قد استخدموا مادة المغر عدة استخدامات حيث
جعلتها النسوة مادة للزينـة مثل الحنّاء ، واستعملها الرجال للمحافظة على الأخشاب
من التسوس ، وطلوا بها تلك الأخشاب ، لتمنع المادة تسرب المياه عند استخدامها مع
الأخشاب في تسقيف المنازل ، علاوة على أن المغر استخدمت في نقوش المعابد والرسوم
القديمة، علماً بأن جزيرة دلما كانت تصدر مادة المغر إلى المناطق المجاورة ، كما
نقلها الأجانب إلى بلدانهم لاسـتخراج العديد من مستحضرات التجميل .
مسـتوطن بشـري في الأفلاج
لعل موقع الأفلاج في دلمـا هو أحدث المكتشفات التي كنا أول الزائرين لهـا، حيث
وصلنا مع مرافقينا إلى منطقة مفتوحة قليلاً ويعلو بعضها الكثبان المرتفعة ـ
وشاهدنا ثمة بناء وضعت عليه الأخشاب وله فتحة غير منتظمة ، وما أن اقتربنا منه
حتى أخبرنا بأن هذا الموقع هو أحد الأفلاج التي كانت تشتهر به دلمـا في الماضي،
فقد قـام عمال بلدية دلمـا بشق بعض الطرق فاصدمت آلاتهم بصخرة وعندما رفعوها ظهر
هذا الفلج، فتم معاينة الموقع والتنقيب فيه ليظهر بعد ذلك الفلج الطويل الذي كان
يغذي إحدى مناطق الجزيرة ، وأظهر هذا الفلج المكتشف حديثاً في دلمـا أن للأفلاج
علاقة بوجود مستوطن بشري ، حيث ظهر من خلال التنقيبات بأنّ إحدى القرى الإسلامية
تقع في نهايته وغالباً ما توجد الأشجار الوارفه الظلال في هذه المواقع الأثرية .
ثم تتبع المسؤولان الأثريان بالجزيرة مسير الفلج وظهر لهما وجود فتحة في الجبل ،
واستمرا في السير إلى أن وصلا إلى الفلج الذي يبلغ طوله حوالي ثلاث كيلومترات.
المقـابر
الدائـرية والمستطيلة
وكانت وقفتنا الأخرى في مواقع دلمـا هي المقابر التي أتسمت بوجود نوعين منها في
الجزيرة وهي المقابر الدائرية وتشبه في ذلك مقابر أم النـار، ونجد حضارة أم
النـار قد أتسمت بقبورها الجماعية الضخمة المصنوعة من الأحجار وما تزال موجودة
فيها إلى اليوم في أبوظبي ، بالإضافة إلى مقابر الهيلي في مدينة العين ، ويبلغ
عمر تلك القبور من 2500-3000 ق.م ، بينما تُمثل المقابر المستطيلة والتي يصل
عمرها إلى حواليّ أربعة آلاف سنة ذروة حضارة العصر البرونزي وشهدت قيام روابط
تجارية متينة بين حضارتي ما بين النهرين وهرايا في وادي السند.وتُعدُ المقبرة
القديمة المكون الأول للرمال الأولية داخل الجزيرة ، وتقع اليوم داخل أحد
البساتين المُسيجة وشاهدنا عبر الدخول إليها تناثر قبورها بين المرتفعات
والمنخفضان والتي دُرس أغلبها.
ويمثل اكتشاف موقع المقبرة القديمة التي يرجع عهدها إلى العصر الإسلامي وتقع فوق
تل مرتفع عن سطح الأرض بمقدار ثلاثة أمتار ، والذي عثر فوقه على مجموعة كبيرة من
الكِسر الفخارية ، بالإضافة إلى مجموعة من الخزف ذات اللون الأحمر والأخضر وعدد
من القطع الزجاجية التي تنتمي إلى ذات العصر أهمية بالغة ، وأشار ( فتحي محمد
عبدالله ) إلى أنه قد تم العثور في هذا التل على قسم من الرخويات والأصداف . وإذا
ما بُدئ التنقيب في الموقع فسوف يتميز عن باقي المواقع الأخرى ، وهو بأرضه
البِكِر الأولى ، بحاجة ماسة إلى منقبين آثاريين ليكشفوا عن كنوزه الدفينة تحت
الأرض ، لأن المواقع الإسلامية هي من المواقع النادرة في الدولة .
الطـوي
ومـزرعة الدوسـري
وانتقلنا في رحلتنا التاريخية الأثرية في مواقع دلمـا المكتشفة إلى موقع القطارة
الذي دخلنا إليه عبر طريق ضيق تظلله الأشجار والنخيل الباسقات لأن الموقع قابـع
داخل بستان كبير تابع لبلدية دلمـا. وشاهدنا في البستان الطوي (البئر) وهو مطمور
، والموقع بصورة كاملة بحاجة إلى الكشف عن أسسه الأصلية وإعادة الحياة إليه ليكون
أحد أبرز المعالم الآثرية في دلمـا، علماً بأن المياه سابقاً كانت تنقل من الآبار
إلى القطارة (مكان تجمع المياه) ، لتزود المكان بالماء بواسطة الآبار المجاورة ،
ليستطيع سكان المنطقة في دلمـا القريبين من الموقع استخدام مياهه في حياتهم
اليومية .
ثم توجهنا إلى مزرعة ( فهد الدوسـري) "الزريبة" التي تتقارب في حدودها مع تل أبي
عمامة والفلج والقطارة ، وهي المزرعة الأولى في الجزيرة وتبلغ مساحتها بحدود ستة
كيلومترات تقريباً ، وتنتشر فيها اليوم الأشجار الوافـرة ، وتضم المزرعة أقدم
مقبرة تُعرف باسم (المعشرة)، وهي قرية إسلامية كبيرة ومتكاملة فيها آبار الماء
وعثر فيها على لقىّ آثارية دلت على وجود مستوطن بشري قد عاش فيهـا .
المكتشفات
: عملـة ذهبية وكـرة نحاسـية
وبعـد جولتنا بين تلك المواقع عدنا مع راشد المزروعي وفتحي محمد عبدالله إلى مسجد
المريخي الذي اتخذاه مكانا لعملهما ولاستقبال الضيوف وعرضا فيه اللقى الآثارية
التي يتم العثور عليها داخل الجزيرة ، بالإضافة إلى عرض مجموعة من المصادر والكتب
الخاصة بالآثار والنقوش وصيانة المباني التراثية المحلية والعربية ، وسألنا
عبدالله في ختام هذه الرحلة الممتعة عن آخر ما عثرا عليه فقـال :
تم العثور في أحد مواقع دلمـا على عملة ذهبية يرجع عهدها إلى العصر العثماني
وتمثل قرصاً مستدير الشكل مضروباً في مدينة القسطنطينية في العام 1327من الهجرة ،
ونقشت على هذه العملة زخارف نباتية دقيقة وتحمل رسوماً لنجوم متكررة تحتوي على
عبارة كُتبت باللغة العربية ونصها : "عز نصره ضُرِب في القسطنطينية 1327 ".بينما
كُتِبَ على الوجه الآخر من العملة الذهبية (طغراء) توقيع باسم السلطان محمود ،
إضافة إلى رسوم نبـاتية جميـلة.
وأضاف راشد المزروعي قائلاً : كذلك وجدنا قطعة
نحاسية تزن بحدود 250 غراماً وهي على هيئة بيضوية يغلب عليها الطابع الزخرفي ،
وعندما تحرك هذه القطعة فإنها تصدر صوتاً يشبه الرنين ، ونعتقد بأنهـا كانت
تستخدم في أحد الطقوس الدينية ، أو كونها إحدى لعب الأطفال من أجل سماع الصوت
الداخلي لها ، بينما عثر أحد سكان دلمـا على قطعة نحاسية ذات كتابات أوربية
مزخرفة وملونة ، مع عثورنا على قطع من الصخور النارية ذات الألوان الخضراء
والخضراء القاتمـة والبنية، وتمثل هذه الصخور نسبة إلى طبيعة مواقعها وحسب
الجزيئات التي طُبخت فيها أجمل أنواع الأحجار في عمل المجوهرات البديعة ، كما عثر
في أحد مواقع الجزيرة على مجموعة من المدافن الدائرية الشكل وهي تشبه مدافن
الهيلي في العين وأم النـار في العاصمـة أبوظبي .
|