|
مجلة شهرية ثقافية منوعة تصدر عن
نادي تراث الأمارات
د . أحمـد السيـد الصـاوي
عبـادة وفـن
معمـاري وزخـرفي
المحـراب لغـة هو الموضع العالي وصدر البيت وأكرم مواضعه وأشرف المجالس ، وفي
لسان العرب لابن منظور"المحاريب صدور المجالس ومنه محراب المسجد والمحراب القبلة
ومحراب المسجد أيضاً صدره وأشرف موضع فيـه " .
وقد وردت كلمة محراب في القرآن الكريم بمعنى المكان العالي المكرم في المنزل:
"وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب" كما أشارت لفظة محراب إلى الحجر أو
الصومعة التي يقوم فيها المتعبد بأداء شعائر الصلاة ومناجاة الله والتقرب إليه في
موضعين من القرآن الكريم :
1-
الآية11 من سورة مريم:" فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن
سبّحوا بكرة وعشياً"
2-
الآية39 من سورة آل عمران :"فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في
المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبيـاً من
الصالحين " .
وتستخدم
كلمة المحراب بالنسبة للمساجد كدلالة على العلامة التي تعين اتجاه أقدس مكان عند
المسلمين يتجهون إليه في صلاتهم وسواء كانت هذه العلامة على هيئة رسم مسطح أو
غائر أو بارز فهي مجرد رمز يعين اتجاه بيت الله الحرام وهو الكعبة .
والمحاريب الإسلامية على نوعين ، فمنها المحاريب المسطحة وغالباً ما تشكل من مادة
الجص على حائط القبلة ، أو بدن إحدى دعاماتهـا، وهناك أيضاً المحاريب المجوفة
التي تتخـذ هيئة بنائية وكياناً معمارياً.
المحـاريب
المجـوفة
ولا يعرف على وجه التعيين تاريخ ومكان أول محراب مجوف في المساجد الإسلامية.
وأغلب الظن أن مسجد الرسول بالمدينة كان مزوداً بمحراب ، وكذلك مسجد قباء في عهد
الرسول، كما يستفاد من بقاء حائط القبلة الأولى في مكانة بعد تحويل القبلة في
مسجد المدينة وما ذكر عن أن رسول الله حين أسس مسجد قباء وضع حجراً في قبلته، ثم
جاء أبوبكر بحجر فوضعه، ثم جاء عمر بحجر فوضعه إلى جنب حجر أبي بكر ثم أخذ الناس
في البنيان. وفي هذا احتمال كبير بأن لفظة القبلة تعني المحراب ، لا جدار القبلة
فحسب كما يظن لأول وهلة.
ويبدو أن محراب مسجد المدينة كان مجوفـاً حيث تقول الروايات التاريخية بشأن عملية
البناء أن المسلمين صفوا النخل قبلة له، وجعلوا عضادتيه من حجارة ، والعضادة تعني
جانب فجوة أو تجويف مما يعزز الظن بأن المقصود بذلك هو محراب مجوف.
كما ينسب بنـاء المحراب المجوف إلى عمارة مسلمة بن مخلد في جامع عمرو بن العاص
بفسطاط مصر عام (53هـ/673م) أي قبل تجديد المسجد النبوي في عهد الوليد بن
عبدالملك بنحو 53 عـاماً .
أما من الناحية الأثرية فإن أقـدم محراب مجوف يوجد في الضلع الجنوبي من المثمن
الخارجي لقبة الصخرة بالقدس الشريف ، ويعود عهد تشييدها إبان خلافة عبدالملك بن
مروان (72هـ/691م).
وتشير بقايا العمائر الإسلامية في القرنين الأول والثاني للهجرة إلى أن المسلمين
استعملوا المحاريب المجوفة ذات المسقط المتعامد الأضلاع وخاصة في شرق العالم
الإسلامي خلال العصر العباسي ، كما في محراب مسجد قصر الأخيضر ومحراب أقدم مسجد
باقٍ على أرض فارس ويعرف باسم " طريق خانه" وينسب إلى النصف الثاني من القرن
الثاني الهجري (8 ميلادي) . بيد أن الغلبة كانت للمحراب المجوف ذي المسقط النصف
دائري الذي نجده بكثرة في العمائر الأموية كما في المسجد الأموي بدمشق ، وجامع
قصر الحلابات ، ومسجد خان الزبيب ، ومسجد أم الوليد، ومحراب المسجد الصغير في كل
من قصر المشتى وقصر الطوبة ، وجميعها تقع في منطقة الشـام.
وسرعان
ما انتشر هذا النوع من المحاريب المجوفة في بناء المساجد في شرق العالم الإسلامي
وغربه على حد سـواء .
والحقيقة أن المعمار المسلم اختار هذه الهيئة المجوفـة للمحراب لغرضين رئيسين غير
تعيين اتجاه القبلة ، ألا وهما توفير صف للمصلين في ظلة القبلة كان من الممكن أن
يشغله الإمام ، ثم توظيف تجويف المحراب لتضخيم صوت الإمام ليبلغ المصلين في
الصفوف الخلفية في وقت لم تكن مكبرات الصوت قد عرفت فيه على أي نحـو .
محـاريب جصيـة
أما
المـواد التي غشيت بهـا تجاويف المحاريب فهي شديدة التنـوع ولعل أقدمها الجص
والرخام .
ومن أمثلة المحاريب الجصية المحراب القـديم في جامع طولون بمصر (265هـ/879م) ويعد
أقدم مثل في مصر مؤكد التاريخ وذلك من ناحية جداره المجوف وعقد واجهته وما حولها
من زخارف جصية فكلها تعود إلى فترة أحمد بن طـولون ، ما عدا كسوة الطاقية التي من
الخشب والتي زخرفت بالألـوان فهي من أعمال السلطان لاجين المملوكـي وكذلك الشريط
المزخرف بالفسيفساء والكسوة من الحشوات والأشرطة الرخامية التي تغطي سـطح تجويف
المحراب .
وبهـذا الجامـع خمسة من المحاريب الجصية المسطحة يعود بعضها إلى العصر الفاطمي
والبعض الآخر صنع في العصر المملوكي .
التغشيـة
بالرخـام
بالرخـام فقد كان من المواد المفضلة في تغشية المحاريب ، ذلك على الرغم من أن
المحاريب الإسلامية الأولى قد فقدت في الغالب الأعم بسبب أعمال التجديد والتوسع
في المساجد مع زيادة أعداد المسلمين أو نتيجة للأخطاء الفلكية التي وقعت في بنـاء
بعض المحاريب مما استوجب هدمها لتصحيح اتجـاه القبلة .
ومن
أشهر المحاريب الرخامية القديمـة ، ذلك المحرب الذي عثر عليه في جامع الخاصكي
ببغداد ، ويعتقد أنه كـان في الأصل قد عمل لجامع المنصور الذي بنـاه لقصره بوسط
مدينة بغداد وهو من قطعة واحدة من الرخـام .
وهناك
أيضاً محـراب جامع عقبة بن نافع بالقيروان الذي زود به على أيـدي حكام أفريقيا من
الأغالبة وهو من حشوات رخامية من المرمر المزخرف .
وتعتبر
محاريب العمائر الدينية التي شيدها المماليك في مصر والشام من أبدع المحاريب
الرخامية التي عرفها فن العمارة والزخرفة . وفي هذا النوع تنتهي تجويفة المحراب
بطاقية على شكل نصف قبـة مكسوة بأشرطة رخامية متعددة الألوان على شكل خطوط منكسرة
(زجزاج) أو من قطع صغيرة من الرخام الخردة ، والجزء الأوسط قد يكون على شكل أشرطة
رخامية مستطيلة أو على هيئة الشاذروان المعروف في أسبلة الماء ، وربمـا كسي هذا
الجزء برخام دقيق مطعم بالصدف على هيئة أشكال هندسية متنوعة ومعقدة وخاصة الأشكال
النجمية .
أما
الجزء الأسفل من المحراب فكان يكسى بالرخام على هيئة محاريب صغيرة متلاصقة ترتكز
على أعمدة رخامية قصيرة نحتت بكل دقة وإتقـان .
ومن
أبدع محاريب عمائر المماليك محراب مدفن السلطان المنصور قلاوون ، ومحراب إيوان
القبلة بمدرسـة السلطان حسن وكذلك محراب جامع المؤيد شيخ قـرب باب زويلة .
وقد
زاوج المسلمون في المغرب والأندلس في عمل المحاريب وزخرفتها بين استخدام الجص
والرخام في عبقرية فنيـة تفصح عن نفسها في محراب جامع قرطبـة الكبير ومحراب مدرسة
يوسف بغرناطـة .
اسـتخدامات
الخـزف
وإلى جانب الرخام والجص فقد برع الفنانون المسلمون في استخدام مختلف أنواع
البلاطات الخزفية لتغشية المحاريب . وكان أول ظهور لبلاطات الخزف في المحاريب عبر
عدد من بلاطات الخزف ذي البريق المعدني صنعت في سامراء بالعراق ثم أرسلت ليزدان
بها محراب سيدي عقبة بالقيروان وهي باقية إلى يومنا هذا .
وقد تنافس الغرب الإسلامي مع الشرق في الشغف باستخدام الخزف لزخرفة المحاريب. ففي
بلاد المغرب والأندلس ، وخاصة في عصر الموحدين استخدم "الزليج" بزخارفه الهندسية
الدقيقة والمتعددة الألوان على نطاق واسع حتى بات من مميزات الفـن الإسلامي
الرئيسة هنالك .
أما الخزافون في الشرق الإسلامي فقد أثبتوا جدارتهم بريادة هذا الفن من خلال
استخدام بلاطات الخزف ذي البريق المعدني والخزف ذي اللـون الأزرق الفيروزي لتغشية
وزخرفة حنايا المحاريب ، وحمل لواء الإبداع في بداية الأمر مدينة قاشان قبل أن
تتبعها مدن أخرى مثل تبريز وسمرقند وبخارى وآمـد والري ، ولكن بقي لقاشان الفضل
الأوفى حتى صارت بلاطات القاشاني إسماً على كل البلاطات الخزفية مهما كان مصدر
إنتاجها أو نـوع زخارفها .
وقد حفلت محاريب البلاطات الخزفية مهما بالكتابات النسخية التي تحوي آيات من
القرآن الكريم إلى جانب الزخارف النباتية المعروفة بالتوريق أو الأرابيسك،
واستخدمت المقرنصات الخزفية أيضاً لتزيين طواقي المحاريب مثلما نرى في محراب جامع
يزد ومحراب جامع قليان في بخاري .
وقد لحق الأتراك العثمانيون بركب المحاريب الخزفية فنراهم يستخدمون بلاطات الخزف
المنتجة في أزنيك ليس فقط لتغشية المحاريب بل ولكسوة جدران المساجد من الداخل
أيضاً .
ومهما يكن من أمر مواد المحاريب وأنواع زخارفها التي تخرج عن كل حصر فقد جرت عادة
المعمار الإسلامي على أن يوضع المحراب في منتصف جدار القبلة بالضبط ليتخذ محوراً
لتوزيع فتحات النوافذ على جانبيه بالتوازن المأثور عن الفن الإسلامي .
ومن نافلة القـول أن نذكر بفوائد المحراب في المسجد ، إذ لا يخفى على أحد أهميته
في تحديد الاتجاه الصحيح للقبلة التي يتوجه إليها المسلمون في صلواتهم .
محـاريب
متنـقلة
ويبـقى
أن نشير إلى أن المسلمين قد عرفوا أيضاً المحاريب المتنقلة والتي اتخذت من الخشب
، وكان بعضها يستخدم لإقامة الصلوات في القصور الخاصة بالخلفاء والأمراء أو يهدي
لمشاهد أهل البيت مثلما نرى في محراب السيدة عائشة الذي يحتفظ به متحف الفن
الإسلامي بالقاهرة ويعود تاريخـه إلى القرن السادس الهجري (12م) خلال العصر
الفاطمي.
وقد
عرفت المحاريب الخشبية المتنقلة أيضاً في منطقة الموصل وما وقع إلى شمالها من
أراضي الأكراد وذلك بغرض استخدامها في المصلى الصيفي للمساجد . ومن المعروف أن
المناطق القارية ذات المناخ المتطرف في برودتـه شتاء وحره صيفاً ، كانت تدفع
المسلمين إلى تقسيم المسجد إلى قسمين أحدهما مغلق للصلاة في أوقات الشتاء والآخر
مفتوح لاستـخدامه في فصل الصيف ، ولما كان المحراب الرئيس يشيد في الجزء المغلق
فقد كان الاحتياج شديداً لاستخدام المحاريب المتنقلة في المصليات الصيفيـة .
|