مجلة شهرية ثقافية منوعة تصدر عن نادي تراث الأمارات

سوق العين القديم .. بساطة بلا حدود

 

 كانت مدينة العين في الماضي مجموعة من البيوت المتناثرة في أحياء متفرقة .. ترتبط بينها الكثبان الرملية العالية التي تكاد تحجب الرؤية .. ونقول تربط بينها لأنها رغم ارتفاعها واتساعها لم تكن لتفصل بين تلك الأحياء لأن القلوب متواصلة .

العين على بساطتها في الوقت كانت أيضا ملتقى الأهل .. فهي واحدة وسط الصحراء .. يهرب اليها سكان أبوظبي من وهج الحر ، ويحب الإقامة فيها من يعشق الخضرة والبر .. فقد كانت تجمع بين الاثنين .

عن ذكرياته في العين .. وحول سوقها القديم .. كانت لنا جلسة مع فنجان القهوة في ضيافة الوالد حبروت بن سلطان الكتبي.. ورغم أنني ذهبت إليه لأسأله.. بادرني هو بالسؤال :

هل ترى هذه الفلاة ؟ هذه الدار التي عشنا فيها سابقا ولازلنا نبرحها إلى اليوم ؟ الهدوء كان يشملنا ، لا تسمع أحيانا هنا غير صوت نباح الكلاب ( اليوم لا نراها إلا نادرا) .

·        وكيف كنتم تعيشون على ماذا كنتم تعتمدون في حياتكم ؟

اولا : نعتمد على الله سبحانه فهو الرزاق الكريم ، الأول كنا نطرش (نذهب ) دبي ، كما تعلم ، ليس لدينا ما نبيعه لأهل الساحل سوى الصخام (الفحم المحلي) والتمر . وهذا الصخام من هنا في هذه الصحراء محليا ، وهو لا يحتاج الى جهد كبير ، سيقان وأغصان  الأشجار ، و (نوري الضو ) نشعل النار ، ونلقمها هذه الأغصان التي نكون قد جمعناها ، ونكومها في النار ، وننتظر حتى تسود وتتحول إلى فحم فنطفئ النار بتغطيتها بالرمل ، ونتركها هكذا لفترة ، ثم نجمعها في (جواني ) أكياس الخيش ، أو خصافات ، ونخيطها بسملة ونضعها على ظهور المطايا ، إبل وحمير ونطرش (نقصد) دبي .

·        تقضون عاما كاملا هنا ؟

نحن نقسم العام إلى قسمين ، الشتاء ونقضيه في هذه المناطق المجاورة الخب ، سنيبل مريفيعة ، وفي موسم القيظ (الحر) نرنو الى الماء نسقي البوش ثم نروي نورد في الماضي برشا ودلو قبل دخول (المدنية) والبعض يستعمل الحلق ( بكرات ) . نروي على البعير أو على الحمير . في الماضي كنا نحتاج الى الحمير للحمل سابقا نذهب إلى العين والبريمي لشرائها نعم كنا نشتريها والذي لا يملك حمارا يشتريه من السوق وكان سعره بين 5 ربيات أو 6 ربيات هندية التي كنا نستخدمها في ذلك الوقت .

·        وماذا تذكر من ايام السوق تلك ؟

كنا نقصد السوق كل خميس وجمعة ، جمع كبير من البشر ، أحد التجمعات في العين ، والأخر في حماسة في البريمي . والأخر هو سوق البريمي سوق الحلة كما يسمونها ومكانها موجود اليوم مقابل قلعة البويمي على الشارع العام عند دوار الشرطة والعملات المستخدمة في التعامل عدا نظام المقايضة (المبادلة) كانت الروبية الهندية وأجزاءها فكان ما يعادل الـ 12 بيزة هندية حمراء (نحاس) عملة نسميها محمدية والـ 15 بيزة يسمونها عباسية والـ 30 بيزة تعادل نصف روبية والروبية تساوي 60 بيزة هذه هي التقسيمات المتعارف عليها قديما بالنسبة للروبية الهندية المتوافرة في ذلك الوقت كما كنا نستخدم أيضا في التعاملات التجارية الريال الفرنسي ( ماريا تريزا يقصد) ومن العملات التي اذكرها أيضا ألـ (ورشو) و(الآنة) وهي من أجراء الربية .

كنا نشتري كل شئ تقريبا من تحت يد الدلال . دلال السوق طبعا وكان يدلل على جميع أنواع السلع ، حتى الحمير كنا نشتريها منه بعد أن يدلل عليها .

الكل يقصد السوق من هذه البقاع المحيطة بالعين ، الذي عنده حمار يقود حماره، والذي لديه غنم يسوق أغنامه أمامه ، والذي يقود الوش ( الجمال ) والكل يتجه صوب السوق هناك كان لقوم بو راشد دلال معروف ومشهور هو لويع بن راشد الجابري وكان قديما هو المسؤول عن السوق في البريمي .

أيضا في حماسة كان هناك ابن هناد بن هلول ينادي على البضائع والسلع والحيوانات ثم رحل الى السعودية على ما أذكر ولكن التجمع الأكبر كان عند لويع . يتجمع عنده الناس كل يوم ، ولا يرد أو يخرج شئ من السوق إلا بعمله .

·        وعلاقتكم بالساحل ، بدبي خاصة ، كيف كنتم توائمون بين علاقتكم بالداخل وعلاقتكم بالساحل ؟

كنا نذهب الى دبي بقوافل من 10 الى 20 ( نفرا) شخصا وأحيانا كانت القافلة تقتصر على 2 أو 3 أشخاص أحيانا كان أحدنا يسري وحده مع الحمل الذي تحمله مطيته ، لوحده ، ويضيف العرب الذين يعرفهم أو الذين يتعرف عليهم عندما يصادفهم في طريقه أما لماذا كنا نقصد   دبي ؟ فالقهوة والبز (القماش) نجدهما في دكاكين وأسواق دبي ، ومنها سوق الهنود البانيان . نشتري العيش (الأرز) والقهوة وبعض ( الخلاجين ) قطع القماش . وأحيانا كنا نوصي من يذهب الى دبي لشراء بعض الحاجات لربعه ( أصدقائه ومعارفه ).

البعض كان يرسل مع هذا الشخص حتى المال . نقودا ، نعم يرسل نقودا مع أحد المعارف . وارسال هذه الأمانات كان دارجا في ذلك الوقت رغم الفقر والحاجة والعوز سواء كانت من البقاع الى العين أو العكس الى دبي .

·        وعند من تسكنون في العين أيام الحر صيفا ؟

لنا (عرش) بيوت من سعف النخيل وبالذات في منطقة هيلي في العين النيل لازالت لحد الآن موجودة من السعف والثمام ولم نكن فقط نقضي أيام الحر في العين . بل كنا نتوزع ، ناس تذهب على شرق بئر اليفار ، ناس عند طوي الهير ، ناس تقصد منطقة الفقع ومرقب والمرموم .

·        والأعراس متى كانت تقام عادة ؟

الوقت المفضل بالطبع أيام الشتاء الجو فيه برودة منعشة عادة ما كانت العرب تذبح ذبيحة وتعزم (رباعتها) والكل يتحلق ويرزفون ، ويتبادلون التهاني والدعاء للعرس  والعريس .

·        وما تذكر عن حفلات الزواج وطقوسه ؟

كنا نبحث عن (المطوع) ونذهب نأتي به على مطية مكرما دون أوراق ولا ختام يقرأ شيئا من القرآن ويعقد القرآن هكذا شفهيا وتحل البركة والمهر مقدور عليه ليس مثل اليوم حيث الطلبات التعجيزية المبالغ فيها مما يثقل كاهل طالب الزواج .

·        كيف كنتم تقضون فصل الصيف أقصد دون مكيفات هواء ؟

لم تكن الكهرباء عندنا حتى تدخل مكيفات الهواء نحن بدو عشنا إما في عرش أو بيوت شعر ولكي نخفف من لهيب الحر كان أحدنا تراه بمقصر (قميص ) وازار ومادمنا قريبين من الطوي (البئر) نغرف الماء بالدلو ونصبه على رؤوسنا طلبا للبرودة ترطب الملابس البسيطة التي اعتدنا على ارتدائها ونجلس عادة في ظل غافة لذلك ترى البدو يحبون الجلوس في ظل الغافات بل ويحبون هذه الشجرة التي منحتهم هذا الظل في الأيام الخوالي .

·        ومن أوصلك الى جزيرة داس ؟

كانت تلك الأيام كما تعلم لازالت الدنيا بسيطة ووسائل كسب العيش قليلة سمعنا من رباعتنا في ابوظبي يسجلون أسماء من يرغبون في العمل في شركة النفط التي ستقوم بمسح لجزيرة داس ومنطقة جبل الظنة كل من سمع أخبر صاحبه وذهبنا الى ابوظبي بالفعل أذكر أني سجلت اسمي وذهبت مع من ذهب منا من ذهب أو بالأخرى أخذوه الى جزيرة داس ومنا من كان نصيبه جبل الظنة ومنا من كان قد ذهب الى صبخة مطئ الطويلة .

·        بعد وصولكم الى ابوظبي كيف نقلتم الى داس ؟

في البداية أخذونا في (لنش ) طراد ولكن حدث وأن أصيب الطراد بعطب وعانينا من الأمواج العالية وتعرضنا الى خطر كبير بعدها اصبحوا ينقلوننا بواسطة طاهرة كبيرة (مروحية ).

·        وهل اقتصرت تحركاتكم على البقاع المجاورة لكم حيث طوئ الماء فقط ؟

في الصفري نبقى إذا تأخر المطر أو لم يأت نتحرك شمالا طلبا للعشب والكلأ للبوش .

·        وأخر نقطة وصلتموها مع الركاب ؟

كنا نتحرك وقد نصل أحيانا الى فلج المعلا ووصلناها نحن وربعنا عدة مرات .